جلست دانة منكمشة على نفسها في إحدى زوايا مبنى السوق المركزي، متوارية تحت
لحاف وجدته منذ لحظات ملقى على الأرض، رغم ثيابها السميكة ومعطفها الصوفي، إلا أن البرد القارس كان يقتحم ثنايا جسدها
المرتعش، كانت وحيدة في هذا المكان الموحش، الخوف والقلق يتسللان إلى روحيها،
ضائعة في هذا العالم المقفر، انسابت دموعها الحارة إلى وجنتيها، أغلقت عينيها
لعلها تشعر بالراحة أكثر فداهمتها الذكريات، وشعرت بالحنين إلى وطنها، كانت تحاول أن تقاوم شعور الغربة القاتل الذي يتسلل محاولا القضاء عليها في هذه
الظروف الصعبة التي يمر بها العالم.
*** *** ***
اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام
في إحدى ليالي السنة الماضية، كانت سعيدة وسط عائلتها، تتناول ما تعده والدتها من
طعام شهي، شوربة الخضراوات اللذيذة التي تبعث رائحتها الدفء والراحة، تناولت
حسائها بهدوء وهي تفكر بكلماتها التي ستغير مجرى حياتها، رفعت بصرها محدقة إلى
والدها الذي لم يرفض لها يومًا أي طلب، تساءلت في نفسها هل سيرفض ويقف ضد رغباتها؟
وتطلعت إلى والدتها المنهمكة في سكب الطعام لهم، وأخيرًا حدقت طويلاً بأخيها جاسم
ذو طباع حادة، وفكرت بردة فعله تجاه ما تنوي فعله، خرج صوتها خافتًا يخشى من
المواجهة، ترددت طويلاً قبل أن نخبرهم بقرارها ورغبتها بإكمال الدراسات العليا في
الولايات المتحدة الأميركية، رفع والدها بصره باسمًا، رحب بالفكرة ولم يعارض،
بينما دمعت عينا والدتها ولم تعترض أيضًا، أما أخيها فقد وقف شاهرًا صوته كالسيف
الحاد رافضًا فكرة دراستها في الخارج رفضًا قاطعًا.
*** *** ***
قطع ذكرياتها صوت حركة في أرجاء
المكان، سمعت خطوات أرجل متثاقلة تزحف بجانبها، فازدادت نبضات قلبها ارتعاشًا،
تنفست بروية ثم كتمت أنفاسها وأطبقت كفيها على شفتَيها بشدة، تعثر ذلك الشيء بها فهوى
مرتطمًا فوق سطح الأرض بجوارها وانكشف اللحاف عنها، التفت إليها محدقًا، ثم اقترب
منها زاحفًا أكثر، لم تستطع أن تكتم صوت أنينها، فانطلقت صرخاتها مرعوبة من هيئته
المشوهة، بشرته الشاحبة المتعفنة، عيناه حمراوان، فتح فمه وتخللت أنفاسه الكريهة
أنفها، دفعته عنها بقوة، ثم عاد لينقض عليها، صرخت بقوة وهي تحاول أن تبعد هذا
المسخ عنها، سمعت صوت إطلاق نار فهوى بجوارها صريعًا بطلقة خرقت دماغه، أبادت روحه
المتوحشة، بكت بصمت وهي تلهث مذعورة قبل أن ترفع بصرها إلى منقذها، لكنها تفاجأت
بفوهة بندقية أمام عينيها، فعلا صوت نحيبها أكثر متوسلة بصوت يكاد يسمع:
- لا تقتلني، أرجوك، أرجوك ساعدني!
كان رجل يبدو في الأربعين من
عمره، التفت إلى رفيقه الذي امتزج الشعر الأبيض بلحيته، كان يبدو في السبعين من
عمره، تحدث رفيقه بصوت يملأه الوقار:
- تبدو فتاة مسكينة، قد ضلت عن مجموعتها.
التفتت دانة إلى جوارها فتلاقت عيناها بعيني فتى صغير يمسك مسدسًا صغيرًا
بيده، سألها الرجل:
- هل أنت بمفردك؟ أين عائلتك؟
أجابته بخوف:
- لست من هنا، أنا فتاة عربية، طالبة مبتعثة.
اقترب الرجل المسن منها، سألها:
- لماذا لم تعودي إلى ديارك بعد انتشار الوباء المميت؟
- السفارة بعيدة، ولم أستطع الوصول إلى المطارات قبل اغلاقها.
أومأ الرجل المسن رأسه قائلاً:
- رافقينا، سنأمن لك الحماية إلى أن تعودي إلى ديارك.
التفت الرجل إليه مذهولاً:
- لكن يا أبي نحن لا نعرف عنها شيئًا.
- لن نتركها هنا، فهي وحيدة، لا حول لها ولا قوة، قد تموت أو تتحول إليهم.
رمقها الرجل بنظرة فاحصة، ثم سألها عن عمرها، فأجابته بصوت متقطع:
- سبعة وعشرون عامًا.
مد الرجل يده، أمرها بتسليمه أي
سلاح بحوزتها، فارتجفت يديها وهي ممدودة إليه بسكين مطوي صغير، ثم هددها قائلاً
بحدة:
- إن فكرت فقط مجرد تفكير بإيذاء أي فرد منا، سأقتلك بنفسي، أتفهمين ما
أقوله؟
هزت رأسها موافقة بخوف، قال الرجل المسن بلطف:
- لا داعي للقلق، نحن مجموعة من العائلات، لن نؤذيك أبدًا.
سألتهم بحذر:
- كيف يمكنني الوثوق بكم؟
أجابها الرجل الأربعيني وهو يحدق بعينيها:
- لا يمكنك ذلك، والاختيار لك، إما أن ترافقينا أو تبقين هنا وحيدة وسط تلك
الوحوش؟!
أجابته مستسلمة:
- سآتي معكم!
ابتسم الرجل وهو يمد يده ليصافحها:
- اسمي جايسون، وهذا والدي كيفين، وابني آندرو!
حدقت بيده الممددة نحوها ليست بواثقة مما تفعله، لن يفهم هذا الرجل الأجنبي
أنها لا تصافح الرجال، فديانتها تمنعها من مصافحتهم:
- دانة، اسمي دانة!
ركبت السيارة وجلست على المقعد
الخلفي بجوار الفتى الصغير آندرو الذي يبلغ الثالثة عشر عامًا، أخذت أفكر في
حياتها، وأسئلة تتقاذف في عقلها، كيف ستبدأ من جديد؟ هل ستطول مدة إقامتها هنا؟ هل
ستواجه أية مشكلة؟ ألن يجدوا علاجًا لهذا الوباء الذي اكتسح العالم؟ وحول الانسان
إلى كائن لا انساني تجرد من صفات الإنسان فأصبح كالوحش الذي ينهش كل كائن حي أمامه
دون رحمة وبلا تفكير، كائن وحشي يعض الناس فينتشر الوباء بدخول هذا الفايروس إلى
الجسد ومن ثم يحتل كيانه.
*** *** ***
في صباح ذلك اليوم استيقظت دانة
من نومها بصعوبة، سمعت طرقات حادة على باب شقتها، فتحت الباب مستغربة من وجود
جارتها السيدة روز التي تسكن في الشقة المقابلة، كانت تقف مذعورة بجوار ابنها جورج
وهو رجل ثلاثيني يزورها بين فترات، أطلقت كلماتها على عجل:
- احزمي أمتعتك الآن، يجب أن نرحل من هنا.
سألتها مستغربة:
- لماذا؟ ما الذي يحدث؟
أجابتها السيدة روز مسرعة:
- لا وقت للحديث يا دانة، الناس تموت في الخارج، المرض معدي فهو ينتشر
بسرعة جنونية لم نتوقعها.
دخل جورج الشقة واتجه نحو التلفاز
وفتحه، ثم رفع صوته، لنسمع صوت مذيع الأخبار يعلن:
- انتشر الوباء المميت في العالم، على جميع المواطنين والمقيمين التوجه إلى
أقرب ملجأ والاختباء فيه.
التفت جورج نحوها قائلاً:
- سمعتِ ما قاله المذيع، احزمي أمتعتك الضرورية حالاً، فلا وقت لدينا.
توجهت نحو غرفتها فورًا وجمعت
أمتعتها الضرورية، سجادة وثوب الصلاة، بوصلة القبلة، القرآن الكريم، وبعض الملابس
الرياضية المريحة ووضعتها في حقيبة صغيرة الحجم ثم غادرت معهما، لم تصدق ما شاهدته
وهم في طريقهم إلى الملجأ، كانت مذعورة، مصدومة، شعرت وكأنها ضمن فيلم من أفلام
هوليوود!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق