الاثنين، 6 سبتمبر 2021

القسم الثاني: الفصل الأول

 

      فتح باب السور الخارجي للمنزل، دخلت السيارة وسارت في المكان المخصص لها، تجولت دانة بناظريها خلف زجاج السيارة المغبش، حديقة المنزل شاسعة خضراء تحوطها أشجار طويلة، كان المنزل مكون من طابقين، يبدو إنه لأحد أعيان المنطقة، مطلي بلون أبيض، ركن جايسون السيارة وترجل الجميع منها، ثم فتح الرجل المسن كيفين باب المنزل الخشبي الكبير، كانت هناك امرأة ذات شعر ذهبي اللون تجلس على أريكة مقابلة لباب المنزل وبجانبها طفلة صغيرة، ابتسمت المرأة مرحبة بهم، بينما ركضت الطفلة إلى جايسون الذي مد ذراعيه ووضع كفيه تحت إبطيها، ورفعها إلى صدره فمدت ذراعيها الصغيرتين وحاوطت بهما عنقه ثم طبعت قبلتيها على خديه، التفتت إلى دانة وسألت عنها ببراءة، فأجابها كيفين قائلاً:

- هذه دانة، فتاة وحيدة هنا، صادفناها في السوق المركزي.

رحبت المرأة بدانة بحرارة وعرفت بنفسها:

- أنا سارة، زوجة جايسون.

وأردفت وهي تشير إلى الطفلة مبتسمة:

- وهذه ابنتنا إيميلي.

- دانة.

 سكتت دانة برهة، وأكملت:

- أنا طالبة مبتعثة.

ابتسمت سارة:

- لن تشعري بالغربة وأنت معنا.

  أشار جايسون بسبابته اليمنى إلى طاولة الطعام الخشبية، أمر دانة بالجلوس هناك، فجلست على كرسي خشبي، سمعت وقع أقدام تهبط من على السلم، تمعن الرجل القادم النظر بدانة ثم سأل عن هويتها بنبرة جافة، فأجابه جايسون:

- هذه دانة، وهي فتاة عربية، وحيدة هنا.

سأله الرجل بلا مبالاة:

- ولماذا هي هنا؟ وما شأننا بها؟!

- لا تكن أنانيًا يا ويليام، فهي بحاجة إلينا، كيف ستعيش وحيدة في هذه الظروف؟ قد تموت في الخارج.

أطلق ويليام كلماته بعصبية فاجأتها:

- أتأتي بفتاة عربية مسلمة إرهابية، وتخبرني إنها وحيدة وبحاجة إلينا؟!

رفعت دانة رأسها إليه من هول الصدمة، حدقت به والدم يغلي في عروقها، حاولت أن تهدئ من غضبها قبل أن تجيبه بحدة:

- أنا مسلمة، لكنني لست إرهابية!

هبطت فتاة ذات شعر كستنائي وهي تخاطب ويليام:

- ويل! لا تكن لئيمًا، نحن في ظروف خاصة يجب أن نكون متماسكين أكثر!

انزعج ويليام فعلا صوته أكثر:

- هل نسيتم ما حدث في 11 سبتمبر؟ أما زلتم تدافعون عن هؤلاء الإرهابيين؟

   خرج رجل من إحدى الغرف اختلست دانة النظر بداخلها، فبدت وكأنها غرفة المطبخ، كان الرجل مهيب الطلعة وفي عينيه الزرقاوين هدوء وحزم، استفسر مستغربًا وهو يتطلع بوجوههم إلى أن استقرت عيناه على دانة:

- ماذا يحدث هنا؟ ما هذه الجلبة؟

لاحظ وجود فتاة جديدة بينهم، تبدو خائفة وهادئة، سأل عن هويتها بلطف فأجابه ويليام بعصبية:

- فتاة عربية مسلمة إرهابية!

تمعن النظر إليها متأملاً ملامحها، عيناها لوزيتان، واسعتان، أنفها دقيق بعد عملية تجميل ناجحة، لم يكن قبيحًا من قبل لكنه كان منحرفًا إثر ضربة تلقتها من أخيها في طفولتها، كانت مطرقة برأسها إلى الأسفل، بدت منزعجة لكنها لم تتكلم، ظلت هادئة رغم توتر الأجواء حولها، فانجذب مايكل إلى هدوئها وملامحها البريئة، واضطربت مشاعره للحظة، فابتسم بعفوية ثم التفت إلى ويليام قائلاً بنبرة هادئة:

- هدئ من غضبك، ولا تكن عنصريًا، الإرهاب لا دين له، وأنت تعرف ذلك جيدًا، لقد خدمت في الجيش الأمريكي وذهبت إلى العراق، كانوا بسطاء وطيبين، والمتطرفون هم الإرهابيون وهؤلاء متواجدون في كل مكان وليسوا مرتبطين بالدين إطلاقًا، ينقسم البشر إلى قسمين الصالح والطالح ولا شأن للأديان بالإرهاب أبدًا، فليس كل مسلم إرهابي، وليس كل إرهابي مسلم! وقد يعتنق الإرهابي أي دين آخر!

عم الهدوء للحظات، التفت كيفين إلى سارة قائلاً:

- رافقيها إلى غرفة تسكن فيها.

أجابته سارة مترددة:

- لكن، لا توجد غرفة خاوية إلا غرفة العلية!

قال الرجل وهو يتطلع إلى دانة:

- يمكنها المكوث في غرفتي.

   استشاط ويليام غاضبًا، لكن الرجل أصر على موقفه قائلاً بحزم:

- قلت إن الفتاة ستنتقل إلى غرفتي، وسأنتقل أنا إلى غرفة العلية! أكلامي واضح للجميع؟!

قال ويليام وقد بدا الانزعاج والغضب من نبرة صوته:

 - لن تفعل ذلك من أجلها، لماذا لا تذهب هي إلى غرفة العلية؟

قاطعتهم دانة بهدوء:

- أستطيع المبيت في أي مكان.

قال الرجل بلطف:

- قلت ستأخذين غرفتي وسأنتقل أنا إلى العلية.

خرج ويليام من المكان بعصبية، صفق باب المنزل بقوة، التفت كيفين قائلاً:

- لقد حسم الأمر، ولا نستطيع الاعتراض!

  شعرت دانة بطيبة قلبه، بعث صوته الرجولي الممزوج ببحة في نفسها راحة غريبة، أما ويليام فبدا لها صعب المراس وعصبي المزاج، تمنت ألا تضطر للتعامل معه أبدًا، اعتذرت بلباقة قائلة:

- آسفة، لم أكن أريد أن أسبب أية مشكلة هنا!

أجابها الرجل مبتسمًا:

- لا، ليست بمشكلة، مرحبًا بك!

 

  صعدت برفقة سارة إلى الطابق العلوي، كانت أول غرفة على يمين السلم، غرفة متوسطة الحجم، أغراضها مبعثرة كغرفة أي رجل أعزب، سرير مزدوج أغطيته بيضاء اللون، خزانة صغيرة بجانبه، مكتب صغير وكرسي وخزانة ملابس، أثاث الغرفة ذو لون رمادي والحائط مزين بورق الجدران باللون الفضي والأبيض، تقدم الرجل منهما، وقال مبتسمًا:

- أعلم إن الغرفة مأساة! لذلك سألملم أغراضي وأرتبها حالاً!

ضحكت سارة ضحكة خافتة، ثم قالت لدانة وهي تشير إلى مقعد مقابل لباب الغرفة:

- تستطيعين الجلوس هنا ريثما ينتهي مايك من جمع أغراضه.

   أومأت دانة رأسها ممتنة مع ابتسامة صغيرة، اتجهت ساره مبتعدة إلى السلم ثم نزلت إلى الطابق الأرضي، جلست دانة على الكرسي، كانت عيناها تراقبان الرجل وهو يحزم أغراضه المبعثرة، ويدندن بأغنية جميلة بصوت مميز يحمل بين طياته الدفء والشعور بالراحة، أطرقت رأسها مستمتعة برخامة صوته الأجش المبحوح ببحة خفيفة، قارنت بين الأخوين، بين طيبة قلبه وقسوة ويليام، كيف يمكن لإنسان أن يكون لئيمًا في هذه الظروف؟ انتبهت فجأة لإيميلي الصغيرة التي وقفت بجانبها تحدق بها بابتسامة بريئة واسعة، فابتسمت لها، قالت إيميلي بصوت خافت:

- أريد أن أريك شيئًا.

- وما هو؟

أمسكت إيميلي يد دانة اليمنى، فتبعتها متجهة إلى باب مغلق، فتحت إيميلي الباب، كانت غرفة صغيرة الحجم لا تتسع إلا للسلم الصغير المجاور للباب، صعدتا بهدوء، فقابلتهما غرفة صغيرة الحجم مثلثة السقف، نافذتها طويلة ممتدة من أرضية الغرفة إلى أعلى السقف، لا تحتوي الغرفة إلا على سرير مكسور لا يتسع إلا لشخص واحد، وصناديق من الكرتون يبدو إنها تحتوي على بعض الأغراض التي لم يتم استخدامها منذ فترة طويلة، هرولت إيميلي إلى النافذة، ثم التفتت إلى دانة بابتسامة تظهر أسنانها الصغيرة، تقدمت دانة منها ثم تطلعت إلى النافذة، فانبهرت بروعة المنظر، جبال خضراء خلابة بعيدة لكنها تبهر العيون، سمعت إيميلي صوت والدتها، فركضت متجهة نحو باب الغرفة خارجة، أما دانة فبقيت أمام النافذة مستمتعة بمنظر الطبيعة، الطيور تحلق أمام ناظريها والهدوء يعم الخارج، سمعت خطوات أقدام تخطو إلى الغرفة، فظنت إنها إيميلي، التفتت إلى مصدر الصوت، لكنها تفاجأت بوجود شخص آخر يحمل حقيبة ظهر ولحاف ووسادة بيضاء، ابتسم الرجل معتذرًا:

- أعتذر، لم أقصد إخافتك.

- لا بأس.

- إذًا أعتذر عما بدر من أخي، فمن الصعب عليه التأقلم مع الغرباء.

- وأنا أعتذر، أستطيع البقاء هنا إن أردت، لم يكن عليك أن تغير الغرفة بسببي.

- لا، المنظر جميل هنا، أحب هذا المكان، لا تقلقي، وبالمناسبة اسمي مايكل، مايكل جونز، إن احتجت لأي شيء لا تترددي، ما اسمك؟

- دانة!

   أطرقت دانة برأسها إلى الأسفل، شعرت بالخوف لوهلة من تواجدها مع رجل غريب بغرفة واحدة، فتوجهت مسرعة نحو السلم، لم تكن واثقة من أنها سأشعر بالأمان وسط أشخاص لا تعرف عنهم شيئًا، اختلست النظر إليه، كان مايكل يراقبها بعينين مبتسمتين إلى أن توارت عن ناظريه.

 

دخلت دانة غرفتها وأغلقت الباب ثم استندت خلفه، حاولت أن تقاوم شعورها بالبكاء والخوف اللذان لازماها طوال هذه الفترة، تسلل الخوف إلى قلبها ممزوج برغبة بالنحيب، فأغلقت عينيها لوهلة، سمعت صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة، ففتحته قابلتها إيميلي مبتسمة تدعوها إلى مائدة الطعام، ترددت دانة قليلاً فلم ترغب بمواجهة ويليام مرة أخرى، لكن شعورها بالجوع كان أقوى منها، فقد مضت فترة طويلة لم تأكل فيها شيئًا، لذلك هي مضطرة لقبول الدعوة وتناول الطعام معهم، مدت إيميلي يدها اليمنى الصغيرة لتمسك يد دانة ثم هبطتا بهدوء، نزلت إيميلي من السلم واثبة إلى الأرض بعفوية، ثم اتجهتا نحو طاولة الطعام الخشبية، طلبت ماغي من دانة الجلوس بجوارها، لاحظت ثلاثة وجوه جديدة لم تقابلهم، تعرفت على الطبيب ساراس زوج ماغي، ولوح خوسيه مرحبًا بها، وابتسمت جايدا لها، توسطت ماغي وإيميلي، وقابلت ويليام جالسًا أمامها، وأخيه مايكل على يساره وكيفين على يمينه، ابتسمت إيميلي قائلة بمرح:

- لدي صديقة جديدة الآن.

قال مايكل لإيميلي مبتسمًا بلطف:

- ليست بصديقة، إنها جزء من العائلة، نحن عائلة الآن!

 اعترض ويليام بامتعاض:

- لا، ليست كذلك!

حدقت ماغي بأخيها ونبهته قائلة:

- ويل، أرجوك!

    لم يرد ويليام، ظل يحدق بمائدة الطعام بصمت، سلطة تحتوي على خضراوات معلبة، الدجاج يبدو شهيًا ورائحته زكية لكنها لن تأكله، فهو غير مذبوح بالطريقة الإسلامية الشرعية، فعائلتها متشددة في هذه المسائل الشرعية التي منعتها في بعض الأحيان من ممارسة حياتها بشكل طبيعي في بلاد الغربة، سكبت سارة لها قطعة من الدجاج، لكن دانة أوقفتها معترضة بصوت خافت:

-  سآكل سلطة فقط.

- تحتاجين إلى بروتين.

- لا آكل اللحم والدجاج.

سألتها باستغراب:

- إذًا، أنت نباتية؟

صمتت للحظات لم تكن تريد الكذب ولا افتعال أي مشكلة دينية مرة أخرى، لكن تدخل ساراس قائلاً:

- بعض المسلمين لا يأكلون إلا بطريقة معينة بالنسبة للحوم والدواجن، ويسمونه الطعام الحلال.

  اتجهت الأنظار إلى دانة طلبًا للمزيد من التفاصيل فاحتارت كيف تجيبهم، استجمعت كلماتها قائلة:

- هناك طريقة معينة للذبح يجب الالتزام بها لتكون الأضحية صالحة ومحللة للأكل، أولاً أن يكون الذابح مسلمًا، وأن يذكر اسم الله تعالى قبل الذبح، والذبح بآلة حادة من حديد بقطع الحلقوم والمريء لإعطاء فرصة للدم كي ينساب خارجًا، وبذلك نحصل على طعام صحي وطاهر.

لم يعجب ويليام بحديثها، فعلق بامتعاض وعصبية:

- ما هذه السخافة؟!

وثار بشدة ضاربًا كفه على طاولة الطعام:

- إذا كنت تريدين البقاء هنا، عليك أن تأكلي ما نأكله نحن، مسلمة متخلفة!

حاول مايكل تهدئته:

- ويل، اهدأ، أرجوك، اليهود أيضًا لا يأكلون إلا بطريقة معينه، دعها تأكل ما تشاء، لكل منا معتقداته الخاصة وعلينا احترامها، إذا كانت تريد أن تأكل سلطة فقط فلتأكل منها، السلطة مفيدة أيضًا، أنا سآكل سلطة فقط! لن آكل الدجاج اليوم!!

 ثم مد يده اليمنى إلى الملعقة، وأمسك صحن السلطة باليد اليسرى، ثم بدأ يسكب بعض من الخضراوات لنفسه، وقف ويليام ساخطًا واتجه إلى الخارج، فقالت ماغي بنبرة خافتة:

- سأذهب لأتحدث إليه.

استعدت ماغي للوقوف فأمرها مايكل بالجلوس، قالت مبررة:

- لكنه لم يأكل شيئًا!

- دعيه وشأنه، فهو ليس بطفل سيأكل لاحقًا.

وقفت دانة مستأذنة لتغادر إلى غرفتها، فاستوقفها مايكل قائلاً بنبرة لطيفة:

- لكنك لم تأكلي شيئًا!

  التفت الجميع إليه مستغربين من تصرفه، فويليام لم يأكل شيئًا أيضًا، أكمل حديثه مبررًا:

- أعتقد أنك لم تأكلي منذ فترة طويلة.

أجابته بصوت خافت:

- شكرا، لا أشعر بالجوع!

ثم انسحبت بهدوء، وظل مايكل يتمعن النظر إليها بابتسامة صغيرة، التفتت سارة إلى جايسون وأبلغته بأن الطعام بدأ ينفذ وأن هذه آخر دجاجة متوفرة، فلن يتمكنوا من أكل اللحوم، كما أن الغاز يكاد ينتهي، فأجابها جايسون أن السوق المركزي الذي ذهبوا إليه اليوم شبه خالي، اقترح مايكل:

- سنذهب غدًا للبحث عن الغاز وعن سوق آخر.

- لكن، أين سنبحث؟ قد لا نجد شيئًا قريبًا من هنا.

أجابه كيفين:

- حينها سنضطر للخروج من هنا للبحث عن مأوى آخر.

 

  وصلت دانة إلى غرفتها وأغلقت باب الغرفة ولم تسمع المزيد من نقاشاتهم حول البقاء على قيد الحياة، فقد كان عقلها منشغلاً بشيء آخر، ابتعدت عن التواصل مع الله سبحانه واللجوء إليه بالصلاة منذ بداية هذه الظروف وبعد أن ضاعت حقيبتها منها، لم تكن تعرف موقع القبلة لتصلي صلواتها الخمس، ولم تجد بوصلة بديلة لتحديد ذلك، كانت تشعر بالضيق والخوف وعدم الراحة النفسية، والخزي أمام الله سبحانه وتعالى، فالصلاة هي اتصال روحي بين العبد وربه، والقلب بدون الله يشعر بفراغ كبير، فالصلاة تفرغ القلب لله عز وجل وراحة للنفس، ورغم إنها ليست فتاة محجبة إلا إنها لم تفوت أي فرض، ولم ترتدي الثياب القصيرة فوق الركبة أو قميص دون أكمام أمام الرجال.

 

    خرجت دانة من باب المنزل إلى الشرفة الأمامية للمنزل، كانت تبحث عن ماغي التي كانت تجلس بجوار ويليام على كرسي طويل من القش، كانت ماغي تحاول اقناع ويليام بتقبل دانة ومعاملتها باحترام وطيب أكثر، وأن يرضى بالواقع ويبتعد عن مضايقتها وجرح مشاعرها، قالت إنها تبدو فتاة طيبة القلب ولا تضمر الشر لهم، تقدمت دانة منهما أكثر فانتبها لوجودها وحل الصمت، ابتسمت ابتسامة خفيفة وبدأت حديثها إلى ماغي بنبرة هادئة:

- أخبرتني سارة بأنني قد أجد عندك بوصلة، فهل لي بإعارتها لدقائق من فضلك؟!

ابتسمت ماغي قائلة:

- طبعًا، لكن ما حاجتك للبوصلة؟!

سكتت دانة برهة من الزمن، ثم أجابتها بحذر:

- أريد أن أصلي!

تدخل ويليام متسائلاً باستغراب:

- بالبوصلة؟

أجابت دانة بصوت هادئ:

- نعم، لتعيين الاتجاهات الأربعة لاستقبال القبلة، وهي الكعبة الشريفة في مكة المكرمة.

علق ويليام بلا مبالاة:

- فتاة غريبة الأطوار!

فرت كلماتها بنبرة حازمة:

- لست بغريبة الأطوار!

أجابها بنبرة عصبية:

- أولاً لا تأكلين إلا بطريقة معينة، والآن بوصلة لتصلي؟! ما معنى ذلك؟!

قاطعتهما ماغي:

- اهدأ ويل، أرجوك لا داعي لكل ذلك، سأذهب لإحضار البوصلة!

ثم اتجهت نحو باب المنزل، وتوارت عن ناظريهما، أعرض ويليام وجهه عن دانة غير عابئ بوجودها، كانت تحاول أن تبدأ الحديث معه بأدب:

- هل لي بمحادثتك لدقيقة؟

أجابها غير مكترث:

-لا يوجد ما نتكلم به، ليس بيننا أي حديث نتحدث فيه!

- أريد منك الاحترام فقط، فيبدو إننا سنبقى طويلاً في مكان واحد، لا أطلب منك سوى الاحترام.

أجابها بنبرة حادة:

- لا أعرفك حتى أحترمك!

- إذا كنت ترغب برحيلي من هنا، أنا مستعدة للرحيل.

- لا يهمني، افعلي ما تريدين، فأنت لا تهمينني إطلاقًا!

   وقف منتصبًا بطوله السامق، ليبدو لها عرض منكبيه وبروز خفيف لعضلات صدره وذراعيه، ثم أخفض صوته وقرب شفتيه من أذنها هامسًا:

- فقط، ابتعدي عني، ولا تجادلينني أبدًا، وإن مررت نحوك تحاشيني، فأنا لا ارغب بالاحتكاك بك إطلاقًا!

   ثم ابتعد عنها بخطوات بطيئة ودخل المنزل، تسمرت مذهولة لأسلوبه في التعامل معها، فهي لم تضايقه، تحاول أن تتجنب المشاكل لكن أسلوبه في الحديث معها يستفزها، فتضطر أن ترد عليه للدفاع عن نفسها، لكن كما يبدو لها أن ذلك لن يفدها بشيء، لذا قررت ألا تهتم وتجنبه قدر المستطاع فهي لا تريد التورط بالمشاكل هنا بسببه.

 

    حل الليل بظلامه الحالك ليطفئ نور الشمس، وتعالت أصوات ضجيج تلك الكائنات فارتجفت دانة خوفًا، تكورت على نفسها فوق سريرها، ألصقت ساقيها بصدرها ودست وجهها بين ركبتيها، ثم بدأت بالنحيب بصوت خافت، شعرت بوجود شخص في الغرفة، فالتفتت نحو الباب مفزوعة، وقفت سارة وبجوارها كيفين وكل منهما يحمل مسدسًا صغيرًا بيده.

سألها كيفين بلطف:

- هل أنت بخير يا ابنتي؟

أجابته بعيون دامعة:

- لا، لست بخير!

اقتربت سارة منها، وجلست بجوارها قائلة:

- لا تقلقي ستكونين بخير هنا، صحيح أن أصواتهم تبدو قريبة لكنهم لا يستطيعون الدخول إلى هنا، فالأسوار تمنعهم من ذلك.

- إنني لا أفكر إلا بعائلتي، لا أعرف شيئًا عنهم، لا أستطيع الاطمئنان.

ربتت سارة على كتفها قائلة:

- سيكونون بخير بالتأكيد، قد يكونون في مكان آمن مثلما نحن في هذا المكان.

ابتسم كيفين بلطف:

- لا تقلقي يا ابنتي، ونامي بسلام!

   لكن هل تستطيع أن تنام بسلام في هذه الظروف بعيدًا عن عائلتها، أين ستجد الاطمئنان والراحة وهي هنا وحيدة بين هؤلاء الغرباء؟ كانت تتقلب في سريرها تحاول أن تغلق عينيها لعلها تنعم بالراحة، استيقظت بعد عدة ساعات بصعوبة مثقلة بالهموم والآلام، حاولت النهوض والخروج من الغرفة، وصلت إلى السلم وخطوت إليه بتمهل، شعرت بالتعب والدوار فقبضت على الدرابزين وتمسكت به جيدًا، لكن سرعان ما سقطت من على السلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

القسم الاول: الفصل الثاني

   في نهار اليوم الأول من شهر يناير بعد أن سهروا محتفلين بليلة رأس السنة، استيقظ جايسون على صوت رنين الهاتف، رفع السماعة ليسمع صوت زوج والدته على الطرف الآخر يخبره بإصابة والدته بالمرض ولم تنجو منه، وقف مشدوهًا فقد أصيب بصدمة ولم يستوعب الخبر، وقعت سماعة الهاتف من يده، وحدق بالأرض دون أن ينطق بحرف، التفتت زوجته سارة نحوه متسائلة بقلق:
- ما الخبر؟
  ظل صامتًا ولم يجبها، ثم تسللت دمعة من عينيه، التفت إليها، وبصوت مضطرب نعى والدته التي لم تنجو من المرض، خرج من غرفة نومه متجهًا إلى غرفة المعيشة، كان والده مشدوهًا بشاشة التلفاز، تردد قبل أن يخبره بما حدث لوالدته، لكنه في النهاية استجمع قواه وأعلن عن إصابتها بمرض خطير لا نجاة منه، عم الحزن بينهم وصمتوا طويلاً دون إبداء أية كلمة، أعلن مذيع الأخبار عن انتشار المرض في كافة أنحاء العالم، وعلى المواطنين التوجه إلى أقرب ملجأ والاختباء فيه، وأن الإذاعات المحلية ستعلن عن أماكن الملاجئ.
قال والده:
- سمعتم ما قاله، دعونا نرحل من هنا.
تساءلت ساره:
- إلى أين سنرحل؟
أجابها جايسون:
- لا أعلم، سنذهب إلى أقرب ملجأ
اقتربت ابنته الصغيرة إيميلي من سارة، فضمتها إلى صدرها الحنون، قالت سارة لابنتها تطمئنها:
- لا تخافي، سنكون بخير.
   وهموا بالرحيل، حزموا أمتعتهم ثم ركبوا السيارة متجهين إلى أقرب ملجأ، كان الناس يهرعون هربًا من المكان، وبعضهم قد تحول إلى وحوش لا إنسانية، أشيعت الفوضى بين الناس، بعض السيارات تتصادم ببعضها من سرعتها، وبعضها تتوقف ويهرب أصحابها منها خوفًا من تلك الكائنات، ارتمت إيميلي بين أحضان والدتها خوفًا، ارتعبت سارة حينما شعرت بارتفاع درجة حرارة ايميلي، وضعت يدها على جبهة الطفلة فأحست بسخونتها، خافت سارة من إصابة ابنتها بالمرض، فطلبت من زوجها التوجه فورًا إلى أقرب مستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة ومعرفة سبب ارتفاع درجة حرارة ابنتهما.
 
   وصلوا إلى المستشفى كانت الفوضى تعم المكان، الناس يصرخون ويهرولون هربًا، ترجل جايسون من السيارة وصادف طبيب ذو أصل هندي أسمر البشرة قد خرج لتوه من المستشفى، كان يتحدث عبر الهاتف:
- لا تقلقي يا عزيزتي، سآتي فورًا، إلى اللقاء.
  توسل إليه:
- أرجوك أيمكنك أن تفحص ابنتي، حرارتها مرتفعة جدًا.
   لكن الطبيب رفض متحججًا بالمستشفى الذي أصبح الآن خارج السيطرة، المرض منتشر داخل المستشفى ولا يستطيع العودة إليه، لكن بعد إلحاح جايسون الشديد وتوسلاته، سأله الطبيب:
- هل تم عضها؟
- لا
- إذًا رافقني!
     توجه الطبيب إلى أقرب سيارة إسعاف، جمع الأدوية اللازمة لخفض الحرارة ومقياس الحرارة في حقيبة بيضاء اللون صغيرة الحجم وجدها في السيارة، ثم التفت نحوه وسأله عن ابنته، توجها نحو السيارة ليفحصها الطبيب بمقياس الحرارة، أعطاها دواء مخفض للحمى، ثم طمأننا بأنها بخير ولا شيء يقلق، وبعد أن انتهى من معاينته لها طلب منهم توصيله إلى منزله فمن الصعب إيجاد سيارة أجرة في هذا الوقت الراهن، لكن لخوف جايسون وقلقه اعتذر منه، لا يملكون الوقت الكافي فيجب أن يجدوا ملجأ قبل أن تزيد الكارثة أكثر.
قال الطبيب:
- لقد أسديت لكم خدمة، ألا أستحق منكم أن توصلونني، المنزل قريب من هنا؟!
  لكنه لم يجد أية إجابة، فأردف قائلاً:
- لدي كمادات باردة لخفض درجة الحرارة في المنزل، سأعطيها لكم، ستخفض من درجة حرارة الطفلة بسرعة.
    سكت برهة من الزمن، رفع جايسون بصره إلى سارة التي توسلت إليه بتوصيل الطبيب، فهي قلقة جدًا من ارتفاع درجة حرارة إيميلي، فوافق على مضض، كان المنزل قريبًا من المستشفى فوصلوا سريعًا، ترجل جايسون والطبيب وسارة واميلي المريضة من السيارة، فتح الطبيب باب المنزل، كانت زوجته الأمريكية بانتظاره، عانقته وهي تقول:
- ساراس، هل أنت بخير؟
- نعم، أنا بخير يا ماغي لا تقلقي، احضري الكمادات الباردة للحمى، الفتاة مريضة.
    ابتسمت ماغي مرحبة بهم، وتوجهوا إلى غرفة المعيشة بينما ذهبت زوجة ساراس لإحضار كمادات خفض الحرارة للطفلة، جلس رجل يبدو أنه في بداية الخمسين من عمره على كرسي خشبي وبيده كوبًا من القهوة الأمريكية، قام من مكانه عندما لاحظ دخول الضيوف، صافح جايسون معرفًا بنفسه مايكل جونز، شقيق ماغي زوجة الطبيب ساراس، التفت جايسون نحو النافذة ليجد رجل في منتصف الأربعين من عمره كانت عيناه محدقة بصورة صغيرة بين يديه التفت فورًا عندما سمع وقع أقدام تدخل المنزل، كلاهما مظهرهما يوحي باهتمامهما للياقتهما البدنية والصحية أيضًا، تفاجأ جايسون عندما وقع بصره عليه، توسعت ابتسامته لصديقه ويليام أثناء المرحلة الجامعية، كانا في نفس التخصص، وسكنا في نفس السكن الجامعي بل في نفس الغرفة أيضًا، عانقا بعضهما.
التفت جايسون إلى زوجته ليعرفهما ببعض:
- هذه زوجتي سارة، وابنتي إيميلي، وهذا صديقي أيام المرحلة الجامعية ويليام جونز، وأنت هل تزوجت؟
ظهر الحزن في عيني ويليام:
- كان لي صديقة وولد، وقد توفوا منذ سنوات.
- أنا آسف!
   قاطعهما مايكل ليسألهما عن الأخبار في الخارج، وإذا كانوا قد عرفوا أماكن الملاجئ القريبة، فأجابه جايسون بأن الأوضاع غير مستقرة وحتى الآن لم يذهب للبحث عن أي ملجأ، قرروا الخروج جميعًا بسيارتين للبحث عن ملجأ يحتمون فيه، وأن يكونوا معًا في رحلتهم هذه فخرجوا من المنزل.
 
   لاتزال الفوضى مستمرة في الخارج، ساروا بطريقهم نحو المجهول، اصطدموا ببعض الكائنات اللاإنسانية، أسرعوا في قيادة السيارة هربًا، أوقفتنهم امرأة أمريكية من أصل أفريقي سمراء اللون ذات شعر أسود فاحم، وقفت في منتصف الطريق وهي تلوح بيديها، توقفت السيارتان فجأة، ترجل ويليام منها صارخًا:
- ما الذي تفعلينه؟ كدنا نقتلك!
- لا تستطيعون الذهاب للملجأ، الجميع تحول إليهم، لا حياة هناك.
تزل جايسون من سيارته قائلاً:
- كيف عرفت ذلك؟
- كنت هناك وقد رأيتهم يتحولون، لا أنصحكم بالذهاب إلى هناك إلا إذا كنتم ترغبون بالموت، أو مقاتلتهم!
استغرب ويليام:
- مقاتلتهم؟!
- نعم، طلقة بالرأس تقتلهم.
قال جايسون:
- لكننا لا نملك أية أسلحة.
أجابته:
- لدي أسلحة، وأستطيع المساعدة لتأمين مكان آمن لكم
ثم صاحت لتنادي أحدهم:
- خوسيه أحضر الحقيبة.
ظهر شاب ذو أصل أسباني، تقدم منهم حاملاً حقيبة مملوءة بالأسلحة، قالت المرأة:
- أتضمونا معكم؟! نحن اثنان فقط!
التفت جايسون إلى ويليام الذي ابتسم موافقًا، ثم هز جايسون رأسه، مدت الفتاة يدها تصافحنا:
- اسمي جايدا!
  

الجمعة، 3 سبتمبر 2021

القسم الأول: الفصل الأول


 

   جلست دانة منكمشة على نفسها في إحدى زوايا مبنى السوق المركزي، متوارية تحت لحاف وجدته منذ لحظات ملقى على الأرض، رغم ثيابها السميكة ومعطفها الصوفي، إلا أن البرد القارس كان يقتحم ثنايا جسدها المرتعش، كانت وحيدة في هذا المكان الموحش، الخوف والقلق يتسللان إلى روحيها، ضائعة في هذا العالم المقفر، انسابت دموعها الحارة إلى وجنتيها، أغلقت عينيها لعلها تشعر بالراحة أكثر فداهمتها الذكريات، وشعرت بالحنين إلى وطنها، كانت تحاول أن تقاوم شعور الغربة القاتل الذي يتسلل محاولا القضاء عليها في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم.

 

*** *** ***

 

   اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام في إحدى ليالي السنة الماضية، كانت سعيدة وسط عائلتها، تتناول ما تعده والدتها من طعام شهي، شوربة الخضراوات اللذيذة التي تبعث رائحتها الدفء والراحة، تناولت حسائها بهدوء وهي تفكر بكلماتها التي ستغير مجرى حياتها، رفعت بصرها محدقة إلى والدها الذي لم يرفض لها يومًا أي طلب، تساءلت في نفسها هل سيرفض ويقف ضد رغباتها؟ وتطلعت إلى والدتها المنهمكة في سكب الطعام لهم، وأخيرًا حدقت طويلاً بأخيها جاسم ذو طباع حادة، وفكرت بردة فعله تجاه ما تنوي فعله، خرج صوتها خافتًا يخشى من المواجهة، ترددت طويلاً قبل أن نخبرهم بقرارها ورغبتها بإكمال الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأميركية، رفع والدها بصره باسمًا، رحب بالفكرة ولم يعارض، بينما دمعت عينا والدتها ولم تعترض أيضًا، أما أخيها فقد وقف شاهرًا صوته كالسيف الحاد رافضًا فكرة دراستها في الخارج رفضًا قاطعًا.

 

*** *** ***

 

  قطع ذكرياتها صوت حركة في أرجاء المكان، سمعت خطوات أرجل متثاقلة تزحف بجانبها، فازدادت نبضات قلبها ارتعاشًا، تنفست بروية ثم كتمت أنفاسها وأطبقت كفيها على شفتَيها بشدة، تعثر ذلك الشيء بها فهوى مرتطمًا فوق سطح الأرض بجوارها وانكشف اللحاف عنها، التفت إليها محدقًا، ثم اقترب منها زاحفًا أكثر، لم تستطع أن تكتم صوت أنينها، فانطلقت صرخاتها مرعوبة من هيئته المشوهة، بشرته الشاحبة المتعفنة، عيناه حمراوان، فتح فمه وتخللت أنفاسه الكريهة أنفها، دفعته عنها بقوة، ثم عاد لينقض عليها، صرخت بقوة وهي تحاول أن تبعد هذا المسخ عنها، سمعت صوت إطلاق نار فهوى بجوارها صريعًا بطلقة خرقت دماغه، أبادت روحه المتوحشة، بكت بصمت وهي تلهث مذعورة قبل أن ترفع بصرها إلى منقذها، لكنها تفاجأت بفوهة بندقية أمام عينيها، فعلا صوت نحيبها أكثر متوسلة بصوت يكاد يسمع:

- لا تقتلني، أرجوك، أرجوك ساعدني!

   كان رجل يبدو في الأربعين من عمره، التفت إلى رفيقه الذي امتزج الشعر الأبيض بلحيته، كان يبدو في السبعين من عمره، تحدث رفيقه بصوت يملأه الوقار:

- تبدو فتاة مسكينة، قد ضلت عن مجموعتها.

التفتت دانة إلى جوارها فتلاقت عيناها بعيني فتى صغير يمسك مسدسًا صغيرًا بيده، سألها الرجل:

- هل أنت بمفردك؟ أين عائلتك؟

أجابته بخوف:

- لست من هنا، أنا فتاة عربية، طالبة مبتعثة.

اقترب الرجل المسن منها، سألها:

- لماذا لم تعودي إلى ديارك بعد انتشار الوباء المميت؟

- السفارة بعيدة، ولم أستطع الوصول إلى المطارات قبل اغلاقها.

أومأ الرجل المسن رأسه قائلاً:

- رافقينا، سنأمن لك الحماية إلى أن تعودي إلى ديارك.

التفت الرجل إليه مذهولاً:

- لكن يا أبي نحن لا نعرف عنها شيئًا.

- لن نتركها هنا، فهي وحيدة، لا حول لها ولا قوة، قد تموت أو تتحول إليهم.

رمقها الرجل بنظرة فاحصة، ثم سألها عن عمرها، فأجابته بصوت متقطع:

- سبعة وعشرون عامًا.

  مد الرجل يده، أمرها بتسليمه أي سلاح بحوزتها، فارتجفت يديها وهي ممدودة إليه بسكين مطوي صغير، ثم هددها قائلاً بحدة:

- إن فكرت فقط مجرد تفكير بإيذاء أي فرد منا، سأقتلك بنفسي، أتفهمين ما أقوله؟

هزت رأسها موافقة بخوف، قال الرجل المسن بلطف:

- لا داعي للقلق، نحن مجموعة من العائلات، لن نؤذيك أبدًا.

سألتهم بحذر:

- كيف يمكنني الوثوق بكم؟

أجابها الرجل الأربعيني وهو يحدق بعينيها:

- لا يمكنك ذلك، والاختيار لك، إما أن ترافقينا أو تبقين هنا وحيدة وسط تلك الوحوش؟!

أجابته مستسلمة:

- سآتي معكم!

ابتسم الرجل وهو يمد يده ليصافحها:

- اسمي جايسون، وهذا والدي كيفين، وابني آندرو!

حدقت بيده الممددة نحوها ليست بواثقة مما تفعله، لن يفهم هذا الرجل الأجنبي أنها لا تصافح الرجال، فديانتها تمنعها من مصافحتهم:

- دانة، اسمي دانة!

   ركبت السيارة وجلست على المقعد الخلفي بجوار الفتى الصغير آندرو الذي يبلغ الثالثة عشر عامًا، أخذت أفكر في حياتها، وأسئلة تتقاذف في عقلها، كيف ستبدأ من جديد؟ هل ستطول مدة إقامتها هنا؟ هل ستواجه أية مشكلة؟ ألن يجدوا علاجًا لهذا الوباء الذي اكتسح العالم؟ وحول الانسان إلى كائن لا انساني تجرد من صفات الإنسان فأصبح كالوحش الذي ينهش كل كائن حي أمامه دون رحمة وبلا تفكير، كائن وحشي يعض الناس فينتشر الوباء بدخول هذا الفايروس إلى الجسد ومن ثم يحتل كيانه.

 

*** *** ***

 

  في صباح ذلك اليوم استيقظت دانة من نومها بصعوبة، سمعت طرقات حادة على باب شقتها، فتحت الباب مستغربة من وجود جارتها السيدة روز التي تسكن في الشقة المقابلة، كانت تقف مذعورة بجوار ابنها جورج وهو رجل ثلاثيني يزورها بين فترات، أطلقت كلماتها على عجل:

- احزمي أمتعتك الآن، يجب أن نرحل من هنا.

سألتها مستغربة:

- لماذا؟ ما الذي يحدث؟

أجابتها السيدة روز مسرعة:

- لا وقت للحديث يا دانة، الناس تموت في الخارج، المرض معدي فهو ينتشر بسرعة جنونية لم نتوقعها.

  دخل جورج الشقة واتجه نحو التلفاز وفتحه، ثم رفع صوته، لنسمع صوت مذيع الأخبار يعلن:

- انتشر الوباء المميت في العالم، على جميع المواطنين والمقيمين التوجه إلى أقرب ملجأ والاختباء فيه.

التفت جورج نحوها قائلاً:

- سمعتِ ما قاله المذيع، احزمي أمتعتك الضرورية حالاً، فلا وقت لدينا.

    توجهت نحو غرفتها فورًا وجمعت أمتعتها الضرورية، سجادة وثوب الصلاة، بوصلة القبلة، القرآن الكريم، وبعض الملابس الرياضية المريحة ووضعتها في حقيبة صغيرة الحجم ثم غادرت معهما، لم تصدق ما شاهدته وهم في طريقهم إلى الملجأ، كانت مذعورة، مصدومة، شعرت وكأنها ضمن فيلم من أفلام هوليوود!