رأيتها بعد غيبة طويلة، أقبلت علي والألم يعتصر فؤادها، وقد أذبلت ابتسامها الرقيقة، فسألتها عن حالها.
قالت لي: "إنها قصة محبطة وأليمة:
أحببته رغم أنه يصغرني بعدة أشهر، كنا دائمًا نجلس ونتحادث ونتداعب بالبراءة، فلا علاقة رسمية تربطنا، مازلنا ننتظر التخرج من المرحلة الجامعية لتكتمل علاقتنا بالرباط الرسمي.
اتصلت به ذات يوم لأخبره بذهابي إلى الشاليه مع عائلتي لزيارة خالتي التي ستقضي عطلة الأسبوع هناك مع أبنائها، لا أعرف من هم، ولا عددهم، ولا أسماءهم، ولا حتى اسم العائلة، فلا علاقة تربطنا بأبنائها، فهم يسكنون في منطقة بعيدة، ونحن بالكاد نرى خالتنا بين الفترة والأخرى بالمناسبات والأعياد، لكن شاء القدر أن يجمعنا الآن للتعارف.
وعرفت أنه أيضًا سيذهب مع عائلته إلى الشاليه الخاص بهم.
كنا جالسين في غرفة المعيشة بالشاليه، فجأة دخل وألقى التحية على الحضور، اقترب منا وقبل رأس والدتي، تفاجأت برؤيتي له، وهو أيضًا تفاجأ عندما رآني جالسة بجانب والدتي، لدرجة أنه أخذ يتفحصني، ليتأكد هل هذه أنا؟؟!! حبيبته؟!
سمعت خالتي تقول: "هذا هو ابني."
كان شابًا طويلاً، عريض المنكبين، أسمر البشرة، جميل الطلعة، مثقف، من أوائل الطلبة، كل فتيات الجامعة يردن لفت نظره، لكنه لا يأبه بهن، لم يكن يعرهن أية أهمية، فكان لا يريد أحدً منهن، سوى.. سوى من ملكت قلبه، ابنة خالته الجديدة.. أنا!!
جلس أمامي وأخذ ينظر إليّ، أمسك جواله وأخذ يضغط على أزراره المرقمة، كأنه يكتب شيئًا، لكن.. أغلق جهازه بسرعة، كأنه بدّل رأيه بإرسال الرسالة، وأسند ظهره إلى المقعد ومد ساقيه، وأخذ ينظر إليّ مبتسمًا.
أحست أخته الكبرى بوجود أمرًا ما نخفيه،
فقالت متسائلة: "أتعرفان بعضكما من قبل؟؟"
نظر كل منا إلى الآخر، ولم نتكلم، فكسر هو الصمت أولاً: "نعم!"
وسكت، ولم يضف شيئًا آخر.
فأردفتُ قائلة: "في نفس التخصص"
فابتسم ابن خالتي، قال: "أجل، أنها زميلتي"
قالت أخته: "سبحان الله، ما أجمل هذه الصدفة؟"
أخذ ابن خالتي جواله مره أخرى، وأخذ يضغط على أزرته، فأرسل لي رسالة نصية:
"لم أكن أتوقع أن أراك اليوم هنا، رغم أنك كنت دائمًا في ذاكرتي.. أحبك"
خرجت إلى البحر، وجلست على الشاطئ أمدد ساقي في الماء، انزلقت الشمس رويدًا، رويدًا إلى السماء نحو الأفق الغربي وهي في طريقها إلى رحلة الليل، وشردت ببصري نحو هذا الأفق البعيد، وابتسمت لهذه الصدفة التي جمعتني معه اليوم.
أقبل ابن خالتي نحوي وجلس بجانبي.
قال: "ماذا بكِ؟"
أجبته: "لا شيء"
قال باستغراب: "لا شيء؟!! بماذا تفكرين؟"
لم أجبه، فليس لدي ما أقوله له.
أمسك يدي ولف بذراعه حولي.
قال: "أتخفين شيئًا عني؟"
قلت بتردد: "لا، لكن... كنت أفكر بالصدفة التي التقينا بها اليوم، وكيف ستنتهي هذه العلاقة"
ثم حاول أن يقبل يدي، لكن أقبلت أخته نحونا، فاستدرك الأمر وترك يدي وأبعد ذراعه عني، جلست أخته بجوارنا.
سألتنا باهتمام: "ماذا بكما؟؟ لماذا تجلسان لوحدكما؟؟ هل بينكما أسرار"
ابتسم ابن خالتي وقال: "نعم، أعتقد ذلك"
ذهلت من إجابته، هل سيعترف لأخته ويخبرها عن علاقتنا؟؟
استأذنت منهما وذهبت إلى مدخل الشاليه المطل على الشاطئ وجلست على الكرسي، عرفت ما دار بينهما من خلال طريقتهما وأسلوبها في المحادثة، أخبرها بأنه يحبني منذ زمن، وأننا اتفقنا على الزواج بعد التخرج، فرحت هي بدورها لهذا الخبر السعيد والجميل، وباركت لنا، لكن سرعان ما تذكرت شيئًا، وبدأ التوتر يظهر على ملامحها، فدخلت إلى الشاليه وجلست مع والدتي وخالتي، وسمعت هذا الحوار وأنا أدخل الشاليه.
قالت ابنة خالتي لوالدتي: "سمعت من والدتي إنها أرضعت إحدى بناتك، فمن هي أختنا بالرضاعة؟؟"
ابتسمت والدتي وقالت: "أجلا والدتك أرضعت فلانة"
صدمت عندما سمعت الدتي تنطق أحرف إسمي، وشعرت بشعور غريب لم أستطع تحديده، فسقطت مغشية من هذه الصدمة، لم أصحُ إلاّ وأنا في المستشفى وبجانبي والدتي ممسكة بيدي، وقد اغرورقت عينيها بالدموع.
قالت لي: "سامحيني يا ابنتي!!"
فهمت بعدها أنها عرفت كل شيء، لكن ما العمل؟ فالزواج لن يتم أبدًا، فابن خالتي الذي أحببته أصبح الآن أخي في الرضاعة.
بعد هذا الحادث تغيرنا، لم نعد نتكلم كالسابق، أصبح هناك حاجز بيننا، كلما حاولنا أن نتخطاه انزلقت أقدامنا عليه فنرتد مكاننا، وهو تغير علي، أخذ يتهرب ويبتعد عني رويدًا رويدًا، ويتحاشى رؤيتي، أعرف من عينيه أن أحشائه ممزقة، وقلبه يحترق من الألم، لكن ما العمل فنحن أصبحنا أخوة في الرضاعة."
بعد أن سمعت حديثها، لا أستطيع إلا أن أقول:
يا عالم....... صلوا أرحامكم قبل أن تتمزق ثنايا قلوبكم.
تـمـت...