جلست
جايدا بصحبة مايكل على طاولة الطعام، وضعا مجموعة من الأسلحة التي يستخدمونها
لحماية أنفسهم في هذا العالم، أمسكت بأحدها ومايكل بآخر، قاما بفك الأجزاء وبدأ كل
منهما بتنظيفها، سرحت جايدا بأفكارها بعيدًا، استرجعت أيامها الماضية، عندما شاع
المرض بين أرجاء العالم، كانت نائمة في يوم إجازتها لرأس السنة، لكن قطع نومها اتصال
مديرها الذي أمرها بالحضور إلى مركز الشرطة فورًا، استيقظت مفزوعة في فجر ذلك
اليوم المشئوم، واتجهت فورًا إلى مركز الشرطة، كان العمل مكثفًا فقد ظهرت حالات
غريبة رأتها لأول مرة في حياتها، هياج بعض البشر وخمول آخرين، ووحشية البعض الآخر،
بعضهم يهجم ويعض، ثم ينتشر الوباء أكثر من قبل، هرب بعض أعضاء الشرطة من مقر عملهم
والبعض حجزوا أنفسهم لحماية أرواحهم، وآخرون تم الحجر عليهم وقتلهم، أما جايدا فظلت
في تلك اللحظة واقفة بلا حركة تراقب ما يجري أمامها بانبهار، تسمرت في مكانها دون حركة
إلى أن تقدم أحدهم منها في محاولة لمهاجمتها وعضها، فأطلقت النار على رأسه ليسقط
صريعًا، اجتمع أعضاء الشرطة المتبقون للبحث عن ملجأ يحميهم ويحمي الناس من هذه
الوحوش، فقرروا البحث في المنطقة لكنهم لم يجدوا سوى مدرسة جديدة البنيان ليلجؤوا
إليها.
رفعت جايدا رأسها تناظر مايكل الذي سألها بقلق:
- هل أنت بخير؟
أجابته يائسة:
- لا، لست كذلك، لا
أعرف كيف سأتصرف بهذا العالم.
- جميعنا لا نعرف كيف
سنتصرف، لكنني متأكد تمامًا إنني سأقاوم وأكافح للبقاء على قيد الحياة.
- عن طريق قتل هؤلاء
الناس؟
- أنهم ليسوا بشرًا
الآن.
- إنهم مرضى.
- إنهم وحوش بشرية،
كائنات لا إنسانية، لا علاج لها، لا حل سوى التخلص منها.
فكرت جايدا بوالدتها التي تسكن في ولاية أخرى،
انقطعت أخبارها منذ انتشار هذا الوباء، كانت قلقة عليها، حاولت الاتصال بها عدة
مرات لكنها لم تفلح، أما والدها فقد هجرها منذ أن كانت فتاة صغيرة لدرجة إنني لا
أذكر شيئًا من ملامح وجهه، كانت تعيش وحيدة مع والدتي التي تكفلت بكل شيء حتى تبقى
على قيد الحياة إلى هذه اللحظة، في ذات يوم كانتا مهددتان للطرد من المنزل الذي تسكنان
فيه إذا لم تدفع والدتها فواتيرها، كانت تعمل خادمة في أحد المنازل لتأمن لهما
الطعام والسكن، لكن بعد عودتها من العمل اكتشفت أنه تم طرهما ورمي ممتلكاتهما
الحقيرة خارج المنزل بأكياس سوداء، وسكنتا في سيارة والدتها الفان التي ورثتها من
جدها.
دخل خوسيه غرفة المعيشة ليقطع عليها سيل
ذكرياتها بضجيجه المعتاد، كان يغني بصوت خافت أغنية لاتينية لم تفهم منها شيئًا،
ابتسم مايكل دون أن ينطق بحرف، بينما رفعت جايدا بصرها إلى خوسيه الذي سرعان ما
استلقى فوق الكنبة الطويلة وصمت، أغلق عينيه وقال:
- أرجو منكم عدم
الازعاج فأنا مرهق.
ضحك مايكل:
- يا رجل هل سمعت منا
أي كلمة؟ كل منا غارق في نفسه!
أبتسم خوسيه دون أن
يرد.
وضعا
الأسلحة في حقيبة مخصصة، وتبعت مايكل إلى غرفة العلية، أدخلا الحقيبة في إحدى
الخزائن، التفت مايكل نحوها قائلاً:
- أيمكنني أن أطلب منك
شيئًا؟
أومأت رأسها مبتسمة،
فأردف قائلاً:
- دانة، أرغب بالاعتناء
بها، فهل تساندينني؟
اتسعت ابتسامتها
متسائلة باستغراب:
- تعتني بها؟! ماذا
تعني بذلك؟
- أعتقد أن كلامي واضح.
اتسعت ابتسامته واتجه نحو سريره، أمرها بالخروج
ليحظى بالراحة، لقد لاحظت اليوم اهتمام مايكل بالفتاة الجديدة، لكن ما الذي يعنيه
بالاعتناء بها، فهي ليست بطفلة ليعتني بها، انها امرأة ناضجة في أواخر العشرين من
عمرها، دخلت جايدا إلى غرفة المكتب التي تنام فيها، مددت جسدها على الأريكة
الطويلة، ووضعت رأسها على الوسادة، أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن تمارس التأمل
للحظات، لكن عقلها كالعادة كان منشغلاً بالأفكار، أغلقت عينيها للحظة لكنها فتحتها
فور سماعها لصرخة شلت حركتها، خرجت من غرفتها لكن الهدوء كان يعم المكان، ولا أثر
لأي صراخ، أيمكن أن يكون حلمًا أو هلوسة؟ من أين جاء هذا الصوت، لم يكن صوت أي فرد
من أفراد المجموعة ولم يكن صوت دانة.
عادت إلى غرفتها وجلست على كرسي المكتب، تصفحت
بعض الكتب الموضوعة على الجانب، عثرت على وردة ذابلة بين طيات إحدى صفحات الكتب
وورقة كتب عليها كلمة "اشتقت إليك يا حبيبتي... جاك" يبدو أن صاحبة هذا
الكتاب كانت تعيش قصة حب مع جاك، ابتسمت ساخرة، كيف لشخص أن يفكر بالحب في هذا
الزمن، هل لا تزال صاحبة الكتاب تكن مشاعر الحب لجاك، هل لاتزال على قيد الحياة أم
أصابها المرض كما أصاب باقي البشر، وأين هو جاك الآن؟ أما زال يشتاق لحبيبته؟ ابتسمت
ساخرة مرة أخرى، أغلقت الكتاب وأعادته إلى مكانه، ثم استلقت على الأريكة الطويلة
وأغلقت عينيها لعلها تنعم بالسكينة.