الأحد، 11 يونيو 2023

القسم الثاني: الفصل الثالث

    فتح خوسيه عينيه فزعًا من صوت ارتطام على أرضية الغرفة، أدار رأسه نحو الصوت، كانت دانة مغشية على الأرض، أسرع إليها وصاح طالبًا للنجدة ثم حاول إيقاظها دون جدوى،  اقترب ساراس وزوجته من السلم، ووقعت أعينهما على دانة فهبطا بسرعة، طلب ساراس من ماغي كأسًا من الماء، بينما دخل جايسون المنزل وخلفه مايكل وويليام، هرع مايكل إليها متسائلاً باهتمام:

- ماذا حدث؟

بينما ابتعد ويليام متجهًا إلى باب القبو دون أن يلتفت إلى دانة أو يكترث بما حدث لها، أجاب:

- لا أعرف، استيقظت من النوم ووجدتها مغشية على الأرض.

قال ساراس:

- أعتقد إنها أغمي عليها من التعب فهي لم تأكل شيئًا بالأمس.

    حملها مايكل بين ذراعيه متمهلاً ثم أنزلها على الأريكة، وساعده جايسون برفع ساقيها إلى الأعلى ووضع بعض الوسادات تحت قدميها، فحص ساراس وضع التنفس والنبض، وناولته ماغي كأس الماء فاستلمه مايكل منها على عجل، سكب قطرات قليلة من الماء على يديه ثم مسح وجهها برفق، طلب ساراس كولونيا لإفاقتها أو أي عطر متوفر، فأسرع خوسيه وبحث في حقيبتي عن عطر فوجد عطرًا صغير الحجم، أعطاه لساراس فأخذ مايكل العطر من ساراس ورش القليل منه على يده، ثم قرب يده من أنفها فاستفاقت دانة بعد فترة، وبدا عليها الخوف وهي تتطلع بهم مستغربة من تواجد الجميع حولها، سألتها ماغي:

- هل أنت بخير؟

- ماذا حدث؟!

أجابها خوسيه:

- أغمي عليك، لقد وقعت من على السلم.

وسألها ساراس:

- هل تعانين من مرض معين؟

- لا!

سأل جايسون ساراس:

- هل أغمي عليها بسبب التعب والإرهاق؟

- نعم، أعتقد ذلك، التعب وقلة الأكل، فهي لم تأكل شيئًا بالأمس!

    قدم مايكل كأس الماء لدانة، حاولت أن تمسكه فارتجفت يدها، ساعدها على شرب الماء، ارتشفت الماء بكمية قليلة، ثم شكرته وشكرت الجميع على اهتمامهم بها، ابتسمت ماغي:

- استلقي سأبحث لك عن شيء تأكلينه.

 وغادر الجميع المكان بعد اطمئنانهم عليها، توجه خوسيه إلى حديقة المنزل أستنشق الهواء، فتح علبة بيرة وارتشف القليل منها، لكنه توقف للحظات يحدق بالعلبة قبل أن يقذفها بقوة على عمود الشرفة، أطلق تنهيدة يأس محدقًا بالسماء، توالت صرخاته بينما كان يركل ذلك العمود:

- لا، لا، لا!

 

     خرج من المنزل وأفكاره تتقاذف في عقله، جلس تحت إحدى الأشجار، ثم أخرج سيجارة وعود ثقاب من جيبه، وضع السيجارة في فمه وأشعلها، رفع بصره محدقًا إلى الأفق البعيد، وقعت عيناه على تلك الأجساد المتحركة ببطء شديد، كانت أعينهم ساهمة، اقتربت منه أكثر، تعثرت أمام عينيه، تزحف ببطء نحوه، أخرج سكينه اليدوي، وغرزه بين عيني ذلك الجسد، اقترب آخر منه فدفعه عنه ليقع فوق صاحبه، وغرز السكين على رأسه، حدق خوسيه بالجسدين فلاحت صورة أخواه المتحولان أمام عينيه، سالت دمعته على خده، فلا رغبة  له بتذكر الماضي الآن، عليه أن يرمي الماضي خلفه ومضي بحياته الجديدة، يجب أن يتأقلم مع هذا العالم الجديد، يجب أن يكافح للبقاء على قيد الحياة ولا يستسلم أبدًا.  

 

    

  بعد أن غادر الجميع المكان بعد اطمئنانهم على دانة، بقي مايكل متربعًا فوق الأرض مقابلاً للأريكة، بدأ حديثه باهتمام واضح:

- قلت لك بالأمس أكملي طعامك، تحتاجين للغذاء للبقاء على قيد الحياة.

تقدمت ماغي بوعاء مملوء بالخضراوات المعلبة، وناولتها الوعاء قائلة بابتسامة لا تفارق شفتيها:

- إنها لا تحتوي إلا على خضراوات ومناسبة للنباتيين، كليها كلها.

  ابتسمت دانة لها ممتنة، غادرت ماغي المكان، حدقت بالوعاء دون حركة، سألها مايكل:

- ماذا بك؟ لماذا لا تأكلين؟

- لا شيء، إنني أفكر بعائلتي فقط، أنا قلقة عليهم.

نهض مايكل ثم جلس بجوارها، وقال بلطف:

- لا تقلقي، سيكونون بخير، والآن كلي طعامك كله، فلن أبرح من مكاني إلا عند انتهاء الوعاء بالكامل.

  ابتسمت دانة، نظر مايكل إليها، تأملها وهي تتناول طعامها بهدوء، وبدأ بالتعرف عليها أكثر، فسألها عن عمرها وأجابته دانة فابتسم قائلاً:

- لا يبدو عليك ذلك، تبدين أصغر من عمرك.

  ابتسمت بخجل، ثم أكمل أسئلته الشخصية، ليسألها السؤال الذي ظل متربعًا في عقله منذ رؤيتها بالأمس:

- هل أنت مرتبطة؟ ألديك أطفال؟

 التفت إليه باستغراب وأجبته باقتضاب:

- لا!

  وحدقت به أكثر فلاحظت وجود بعض التجعيدات حول عينيه الزرقاوين وفمه وجبهته وبعض الشعيرات البيضاء التي تحاول الاختباء بين شعره البني الفاتح وشاربه ولحيته الخفيفة في ذقنه، فراودها الفضول لمعرفة تفاصيل حياته، وسألته مبتسمة بلباقة:

- وأنت؟!

أجابها ضاحكًا، وهو يكاد أن يخفي سعادته، لكنه فشل في ذلك:

- إنني كبير في السن، بإمكانك أن تخاطبيني بأبي إن أردت ذلك!

ابتسمت دانة، فأكمل حديثه:

- عمري 51 سنة، لم أتزوج ولم أرتبط ارتباطًا جديًا بأية امرأة بعد!

تطلعت إليه باستغراب متسائلة عن السبب، فأجابها بارتياح:

- أخشى الارتباط بأية امرأة ضعيفة، لذلك لم أفكر بالارتباط جديًا.

- ليست كل النساء ضعيفات!

- أعرف ذلك، لكن ...

صمت لوهلة ثم أكمل حديثه مسترجعًا ذكرياته بألم:

- كانت والدتي امرأة ضعيفة، يبرحها والدي ضربًا ويهينها أمام أعيننا، كنا صغارًا عندما هربت والدتي منه وتركته، ثم ارتبطت بوالد ماغي، تركتُ المنزل حينها، كنت في السابعة عشر من عمري، وكنتُ نادرًا ما أزورها، كرهت ضعفها لدرجة إنني لم أكن أرغب أبدًا برؤيتها، ثم التحقت بالجيش، عندما توفت لم أكن متواجدًا لجنازتها ولم أرها قبل وفاتها لظروف العمل.

كادت الدموع أن تتساقط من عينيه، فمسحها بإبهامه، اعتذرت دانة له:

- آسفة جدًا، لم أقصد أن...

قاطعها مبتسمًا ليخفي ألمه:

- لا بأس، أنت فتاة طيبة، ولا تبدين ضعيفة.

- لست بقوية!

- بلى، أعرف ذلك من النظر في عينيك، فأنت من النوع الذي يخفي قوته بداخله، أنت صبورة وقوية، إن لم تكوني قوية لتمكن الوباء منك منذ انتشاره، بقاءك على قيد الحياة حتى هذه اللحظة دليل على قوتك.

ابتسمت دانة ابتسامة أظهرت أسنانها البيضاء المتراصة كحبات اللؤلؤ، فقال مبتسمًا رافعًا حاجبيه بإعجاب:

- وابتسامتك جميلة أيضًا!

    أخفضت رأسها بخجل، ثم وقفت مستأذنة لأذهب إلى غرفتها، لكنه استوقفها متسائلاً باهتمام:

- هل أنت بخير؟ أتستطيعين المشي؟

   أومأت رأسها بإيجاب ثم اتجهت نحو السلم، راقبها مايكل إلى أن وصل إلى غرفتها، فابتسم مطمئنًا، رأف مايكل بحالها، وقرر مساندتها فهي وحيدة في هذا البلد، تحتاج إلى الحماية والمساعدة لحين رحيلها من هنا إلى وطنها بسلام وأمان.

 

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2022

القسم الثاني:الفصل الثاني

 

   جلست جايدا بصحبة مايكل على طاولة الطعام، وضعا مجموعة من الأسلحة التي يستخدمونها لحماية أنفسهم في هذا العالم، أمسكت بأحدها ومايكل بآخر، قاما بفك الأجزاء وبدأ كل منهما بتنظيفها، سرحت جايدا بأفكارها بعيدًا، استرجعت أيامها الماضية، عندما شاع المرض بين أرجاء العالم، كانت نائمة في يوم إجازتها لرأس السنة، لكن قطع نومها اتصال مديرها الذي أمرها بالحضور إلى مركز الشرطة فورًا، استيقظت مفزوعة في فجر ذلك اليوم المشئوم، واتجهت فورًا إلى مركز الشرطة، كان العمل مكثفًا فقد ظهرت حالات غريبة رأتها لأول مرة في حياتها، هياج بعض البشر وخمول آخرين، ووحشية البعض الآخر، بعضهم يهجم ويعض، ثم ينتشر الوباء أكثر من قبل، هرب بعض أعضاء الشرطة من مقر عملهم والبعض حجزوا أنفسهم لحماية أرواحهم، وآخرون تم الحجر عليهم وقتلهم، أما جايدا فظلت في تلك اللحظة واقفة بلا حركة تراقب ما يجري أمامها بانبهار، تسمرت في مكانها دون حركة إلى أن تقدم أحدهم منها في محاولة لمهاجمتها وعضها، فأطلقت النار على رأسه ليسقط صريعًا، اجتمع أعضاء الشرطة المتبقون للبحث عن ملجأ يحميهم ويحمي الناس من هذه الوحوش، فقرروا البحث في المنطقة لكنهم لم يجدوا سوى مدرسة جديدة البنيان ليلجؤوا إليها.

  رفعت جايدا رأسها تناظر مايكل الذي سألها بقلق:

- هل أنت بخير؟

أجابته يائسة:

- لا، لست كذلك، لا أعرف كيف سأتصرف بهذا العالم.

- جميعنا لا نعرف كيف سنتصرف، لكنني متأكد تمامًا إنني سأقاوم وأكافح للبقاء على قيد الحياة.

- عن طريق قتل هؤلاء الناس؟

- أنهم ليسوا بشرًا الآن.

- إنهم مرضى.

- إنهم وحوش بشرية، كائنات لا إنسانية، لا علاج لها، لا حل سوى التخلص منها.

  

   فكرت جايدا بوالدتها التي تسكن في ولاية أخرى، انقطعت أخبارها منذ انتشار هذا الوباء، كانت قلقة عليها، حاولت الاتصال بها عدة مرات لكنها لم تفلح، أما والدها فقد هجرها منذ أن كانت فتاة صغيرة لدرجة إنني لا أذكر شيئًا من ملامح وجهه، كانت تعيش وحيدة مع والدتي التي تكفلت بكل شيء حتى تبقى على قيد الحياة إلى هذه اللحظة، في ذات يوم كانتا مهددتان للطرد من المنزل الذي تسكنان فيه إذا لم تدفع والدتها فواتيرها، كانت تعمل خادمة في أحد المنازل لتأمن لهما الطعام والسكن، لكن بعد عودتها من العمل اكتشفت أنه تم طرهما ورمي ممتلكاتهما الحقيرة خارج المنزل بأكياس سوداء، وسكنتا في سيارة والدتها الفان التي ورثتها من جدها.

 

    دخل خوسيه غرفة المعيشة ليقطع عليها سيل ذكرياتها بضجيجه المعتاد، كان يغني بصوت خافت أغنية لاتينية لم تفهم منها شيئًا، ابتسم مايكل دون أن ينطق بحرف، بينما رفعت جايدا بصرها إلى خوسيه الذي سرعان ما استلقى فوق الكنبة الطويلة وصمت، أغلق عينيه وقال:

- أرجو منكم عدم الازعاج فأنا مرهق.

ضحك مايكل:

- يا رجل هل سمعت منا أي كلمة؟ كل منا غارق في نفسه!

أبتسم خوسيه دون أن يرد.

 

  وضعا الأسلحة في حقيبة مخصصة، وتبعت مايكل إلى غرفة العلية، أدخلا الحقيبة في إحدى الخزائن، التفت مايكل نحوها قائلاً:

- أيمكنني أن أطلب منك شيئًا؟

أومأت رأسها مبتسمة، فأردف قائلاً:

- دانة، أرغب بالاعتناء بها، فهل تساندينني؟

اتسعت ابتسامتها متسائلة باستغراب:

- تعتني بها؟! ماذا تعني بذلك؟

- أعتقد أن كلامي واضح.

  اتسعت ابتسامته واتجه نحو سريره، أمرها بالخروج ليحظى بالراحة، لقد لاحظت اليوم اهتمام مايكل بالفتاة الجديدة، لكن ما الذي يعنيه بالاعتناء بها، فهي ليست بطفلة ليعتني بها، انها امرأة ناضجة في أواخر العشرين من عمرها، دخلت جايدا إلى غرفة المكتب التي تنام فيها، مددت جسدها على الأريكة الطويلة، ووضعت رأسها على الوسادة، أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن تمارس التأمل للحظات، لكن عقلها كالعادة كان منشغلاً بالأفكار، أغلقت عينيها للحظة لكنها فتحتها فور سماعها لصرخة شلت حركتها، خرجت من غرفتها لكن الهدوء كان يعم المكان، ولا أثر لأي صراخ، أيمكن أن يكون حلمًا أو هلوسة؟ من أين جاء هذا الصوت، لم يكن صوت أي فرد من أفراد المجموعة ولم يكن صوت دانة.

 

   عادت إلى غرفتها وجلست على كرسي المكتب، تصفحت بعض الكتب الموضوعة على الجانب، عثرت على وردة ذابلة بين طيات إحدى صفحات الكتب وورقة كتب عليها كلمة "اشتقت إليك يا حبيبتي... جاك" يبدو أن صاحبة هذا الكتاب كانت تعيش قصة حب مع جاك، ابتسمت ساخرة، كيف لشخص أن يفكر بالحب في هذا الزمن، هل لا تزال صاحبة الكتاب تكن مشاعر الحب لجاك، هل لاتزال على قيد الحياة أم أصابها المرض كما أصاب باقي البشر، وأين هو جاك الآن؟ أما زال يشتاق لحبيبته؟ ابتسمت ساخرة مرة أخرى، أغلقت الكتاب وأعادته إلى مكانه، ثم استلقت على الأريكة الطويلة وأغلقت عينيها لعلها تنعم بالسكينة.

 

  

الاثنين، 6 سبتمبر 2021

القسم الثاني: الفصل الأول

 

      فتح باب السور الخارجي للمنزل، دخلت السيارة وسارت في المكان المخصص لها، تجولت دانة بناظريها خلف زجاج السيارة المغبش، حديقة المنزل شاسعة خضراء تحوطها أشجار طويلة، كان المنزل مكون من طابقين، يبدو إنه لأحد أعيان المنطقة، مطلي بلون أبيض، ركن جايسون السيارة وترجل الجميع منها، ثم فتح الرجل المسن كيفين باب المنزل الخشبي الكبير، كانت هناك امرأة ذات شعر ذهبي اللون تجلس على أريكة مقابلة لباب المنزل وبجانبها طفلة صغيرة، ابتسمت المرأة مرحبة بهم، بينما ركضت الطفلة إلى جايسون الذي مد ذراعيه ووضع كفيه تحت إبطيها، ورفعها إلى صدره فمدت ذراعيها الصغيرتين وحاوطت بهما عنقه ثم طبعت قبلتيها على خديه، التفتت إلى دانة وسألت عنها ببراءة، فأجابها كيفين قائلاً:

- هذه دانة، فتاة وحيدة هنا، صادفناها في السوق المركزي.

رحبت المرأة بدانة بحرارة وعرفت بنفسها:

- أنا سارة، زوجة جايسون.

وأردفت وهي تشير إلى الطفلة مبتسمة:

- وهذه ابنتنا إيميلي.

- دانة.

 سكتت دانة برهة، وأكملت:

- أنا طالبة مبتعثة.

ابتسمت سارة:

- لن تشعري بالغربة وأنت معنا.

  أشار جايسون بسبابته اليمنى إلى طاولة الطعام الخشبية، أمر دانة بالجلوس هناك، فجلست على كرسي خشبي، سمعت وقع أقدام تهبط من على السلم، تمعن الرجل القادم النظر بدانة ثم سأل عن هويتها بنبرة جافة، فأجابه جايسون:

- هذه دانة، وهي فتاة عربية، وحيدة هنا.

سأله الرجل بلا مبالاة:

- ولماذا هي هنا؟ وما شأننا بها؟!

- لا تكن أنانيًا يا ويليام، فهي بحاجة إلينا، كيف ستعيش وحيدة في هذه الظروف؟ قد تموت في الخارج.

أطلق ويليام كلماته بعصبية فاجأتها:

- أتأتي بفتاة عربية مسلمة إرهابية، وتخبرني إنها وحيدة وبحاجة إلينا؟!

رفعت دانة رأسها إليه من هول الصدمة، حدقت به والدم يغلي في عروقها، حاولت أن تهدئ من غضبها قبل أن تجيبه بحدة:

- أنا مسلمة، لكنني لست إرهابية!

هبطت فتاة ذات شعر كستنائي وهي تخاطب ويليام:

- ويل! لا تكن لئيمًا، نحن في ظروف خاصة يجب أن نكون متماسكين أكثر!

انزعج ويليام فعلا صوته أكثر:

- هل نسيتم ما حدث في 11 سبتمبر؟ أما زلتم تدافعون عن هؤلاء الإرهابيين؟

   خرج رجل من إحدى الغرف اختلست دانة النظر بداخلها، فبدت وكأنها غرفة المطبخ، كان الرجل مهيب الطلعة وفي عينيه الزرقاوين هدوء وحزم، استفسر مستغربًا وهو يتطلع بوجوههم إلى أن استقرت عيناه على دانة:

- ماذا يحدث هنا؟ ما هذه الجلبة؟

لاحظ وجود فتاة جديدة بينهم، تبدو خائفة وهادئة، سأل عن هويتها بلطف فأجابه ويليام بعصبية:

- فتاة عربية مسلمة إرهابية!

تمعن النظر إليها متأملاً ملامحها، عيناها لوزيتان، واسعتان، أنفها دقيق بعد عملية تجميل ناجحة، لم يكن قبيحًا من قبل لكنه كان منحرفًا إثر ضربة تلقتها من أخيها في طفولتها، كانت مطرقة برأسها إلى الأسفل، بدت منزعجة لكنها لم تتكلم، ظلت هادئة رغم توتر الأجواء حولها، فانجذب مايكل إلى هدوئها وملامحها البريئة، واضطربت مشاعره للحظة، فابتسم بعفوية ثم التفت إلى ويليام قائلاً بنبرة هادئة:

- هدئ من غضبك، ولا تكن عنصريًا، الإرهاب لا دين له، وأنت تعرف ذلك جيدًا، لقد خدمت في الجيش الأمريكي وذهبت إلى العراق، كانوا بسطاء وطيبين، والمتطرفون هم الإرهابيون وهؤلاء متواجدون في كل مكان وليسوا مرتبطين بالدين إطلاقًا، ينقسم البشر إلى قسمين الصالح والطالح ولا شأن للأديان بالإرهاب أبدًا، فليس كل مسلم إرهابي، وليس كل إرهابي مسلم! وقد يعتنق الإرهابي أي دين آخر!

عم الهدوء للحظات، التفت كيفين إلى سارة قائلاً:

- رافقيها إلى غرفة تسكن فيها.

أجابته سارة مترددة:

- لكن، لا توجد غرفة خاوية إلا غرفة العلية!

قال الرجل وهو يتطلع إلى دانة:

- يمكنها المكوث في غرفتي.

   استشاط ويليام غاضبًا، لكن الرجل أصر على موقفه قائلاً بحزم:

- قلت إن الفتاة ستنتقل إلى غرفتي، وسأنتقل أنا إلى غرفة العلية! أكلامي واضح للجميع؟!

قال ويليام وقد بدا الانزعاج والغضب من نبرة صوته:

 - لن تفعل ذلك من أجلها، لماذا لا تذهب هي إلى غرفة العلية؟

قاطعتهم دانة بهدوء:

- أستطيع المبيت في أي مكان.

قال الرجل بلطف:

- قلت ستأخذين غرفتي وسأنتقل أنا إلى العلية.

خرج ويليام من المكان بعصبية، صفق باب المنزل بقوة، التفت كيفين قائلاً:

- لقد حسم الأمر، ولا نستطيع الاعتراض!

  شعرت دانة بطيبة قلبه، بعث صوته الرجولي الممزوج ببحة في نفسها راحة غريبة، أما ويليام فبدا لها صعب المراس وعصبي المزاج، تمنت ألا تضطر للتعامل معه أبدًا، اعتذرت بلباقة قائلة:

- آسفة، لم أكن أريد أن أسبب أية مشكلة هنا!

أجابها الرجل مبتسمًا:

- لا، ليست بمشكلة، مرحبًا بك!

 

  صعدت برفقة سارة إلى الطابق العلوي، كانت أول غرفة على يمين السلم، غرفة متوسطة الحجم، أغراضها مبعثرة كغرفة أي رجل أعزب، سرير مزدوج أغطيته بيضاء اللون، خزانة صغيرة بجانبه، مكتب صغير وكرسي وخزانة ملابس، أثاث الغرفة ذو لون رمادي والحائط مزين بورق الجدران باللون الفضي والأبيض، تقدم الرجل منهما، وقال مبتسمًا:

- أعلم إن الغرفة مأساة! لذلك سألملم أغراضي وأرتبها حالاً!

ضحكت سارة ضحكة خافتة، ثم قالت لدانة وهي تشير إلى مقعد مقابل لباب الغرفة:

- تستطيعين الجلوس هنا ريثما ينتهي مايك من جمع أغراضه.

   أومأت دانة رأسها ممتنة مع ابتسامة صغيرة، اتجهت ساره مبتعدة إلى السلم ثم نزلت إلى الطابق الأرضي، جلست دانة على الكرسي، كانت عيناها تراقبان الرجل وهو يحزم أغراضه المبعثرة، ويدندن بأغنية جميلة بصوت مميز يحمل بين طياته الدفء والشعور بالراحة، أطرقت رأسها مستمتعة برخامة صوته الأجش المبحوح ببحة خفيفة، قارنت بين الأخوين، بين طيبة قلبه وقسوة ويليام، كيف يمكن لإنسان أن يكون لئيمًا في هذه الظروف؟ انتبهت فجأة لإيميلي الصغيرة التي وقفت بجانبها تحدق بها بابتسامة بريئة واسعة، فابتسمت لها، قالت إيميلي بصوت خافت:

- أريد أن أريك شيئًا.

- وما هو؟

أمسكت إيميلي يد دانة اليمنى، فتبعتها متجهة إلى باب مغلق، فتحت إيميلي الباب، كانت غرفة صغيرة الحجم لا تتسع إلا للسلم الصغير المجاور للباب، صعدتا بهدوء، فقابلتهما غرفة صغيرة الحجم مثلثة السقف، نافذتها طويلة ممتدة من أرضية الغرفة إلى أعلى السقف، لا تحتوي الغرفة إلا على سرير مكسور لا يتسع إلا لشخص واحد، وصناديق من الكرتون يبدو إنها تحتوي على بعض الأغراض التي لم يتم استخدامها منذ فترة طويلة، هرولت إيميلي إلى النافذة، ثم التفتت إلى دانة بابتسامة تظهر أسنانها الصغيرة، تقدمت دانة منها ثم تطلعت إلى النافذة، فانبهرت بروعة المنظر، جبال خضراء خلابة بعيدة لكنها تبهر العيون، سمعت إيميلي صوت والدتها، فركضت متجهة نحو باب الغرفة خارجة، أما دانة فبقيت أمام النافذة مستمتعة بمنظر الطبيعة، الطيور تحلق أمام ناظريها والهدوء يعم الخارج، سمعت خطوات أقدام تخطو إلى الغرفة، فظنت إنها إيميلي، التفتت إلى مصدر الصوت، لكنها تفاجأت بوجود شخص آخر يحمل حقيبة ظهر ولحاف ووسادة بيضاء، ابتسم الرجل معتذرًا:

- أعتذر، لم أقصد إخافتك.

- لا بأس.

- إذًا أعتذر عما بدر من أخي، فمن الصعب عليه التأقلم مع الغرباء.

- وأنا أعتذر، أستطيع البقاء هنا إن أردت، لم يكن عليك أن تغير الغرفة بسببي.

- لا، المنظر جميل هنا، أحب هذا المكان، لا تقلقي، وبالمناسبة اسمي مايكل، مايكل جونز، إن احتجت لأي شيء لا تترددي، ما اسمك؟

- دانة!

   أطرقت دانة برأسها إلى الأسفل، شعرت بالخوف لوهلة من تواجدها مع رجل غريب بغرفة واحدة، فتوجهت مسرعة نحو السلم، لم تكن واثقة من أنها سأشعر بالأمان وسط أشخاص لا تعرف عنهم شيئًا، اختلست النظر إليه، كان مايكل يراقبها بعينين مبتسمتين إلى أن توارت عن ناظريه.

 

دخلت دانة غرفتها وأغلقت الباب ثم استندت خلفه، حاولت أن تقاوم شعورها بالبكاء والخوف اللذان لازماها طوال هذه الفترة، تسلل الخوف إلى قلبها ممزوج برغبة بالنحيب، فأغلقت عينيها لوهلة، سمعت صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة، ففتحته قابلتها إيميلي مبتسمة تدعوها إلى مائدة الطعام، ترددت دانة قليلاً فلم ترغب بمواجهة ويليام مرة أخرى، لكن شعورها بالجوع كان أقوى منها، فقد مضت فترة طويلة لم تأكل فيها شيئًا، لذلك هي مضطرة لقبول الدعوة وتناول الطعام معهم، مدت إيميلي يدها اليمنى الصغيرة لتمسك يد دانة ثم هبطتا بهدوء، نزلت إيميلي من السلم واثبة إلى الأرض بعفوية، ثم اتجهتا نحو طاولة الطعام الخشبية، طلبت ماغي من دانة الجلوس بجوارها، لاحظت ثلاثة وجوه جديدة لم تقابلهم، تعرفت على الطبيب ساراس زوج ماغي، ولوح خوسيه مرحبًا بها، وابتسمت جايدا لها، توسطت ماغي وإيميلي، وقابلت ويليام جالسًا أمامها، وأخيه مايكل على يساره وكيفين على يمينه، ابتسمت إيميلي قائلة بمرح:

- لدي صديقة جديدة الآن.

قال مايكل لإيميلي مبتسمًا بلطف:

- ليست بصديقة، إنها جزء من العائلة، نحن عائلة الآن!

 اعترض ويليام بامتعاض:

- لا، ليست كذلك!

حدقت ماغي بأخيها ونبهته قائلة:

- ويل، أرجوك!

    لم يرد ويليام، ظل يحدق بمائدة الطعام بصمت، سلطة تحتوي على خضراوات معلبة، الدجاج يبدو شهيًا ورائحته زكية لكنها لن تأكله، فهو غير مذبوح بالطريقة الإسلامية الشرعية، فعائلتها متشددة في هذه المسائل الشرعية التي منعتها في بعض الأحيان من ممارسة حياتها بشكل طبيعي في بلاد الغربة، سكبت سارة لها قطعة من الدجاج، لكن دانة أوقفتها معترضة بصوت خافت:

-  سآكل سلطة فقط.

- تحتاجين إلى بروتين.

- لا آكل اللحم والدجاج.

سألتها باستغراب:

- إذًا، أنت نباتية؟

صمتت للحظات لم تكن تريد الكذب ولا افتعال أي مشكلة دينية مرة أخرى، لكن تدخل ساراس قائلاً:

- بعض المسلمين لا يأكلون إلا بطريقة معينة بالنسبة للحوم والدواجن، ويسمونه الطعام الحلال.

  اتجهت الأنظار إلى دانة طلبًا للمزيد من التفاصيل فاحتارت كيف تجيبهم، استجمعت كلماتها قائلة:

- هناك طريقة معينة للذبح يجب الالتزام بها لتكون الأضحية صالحة ومحللة للأكل، أولاً أن يكون الذابح مسلمًا، وأن يذكر اسم الله تعالى قبل الذبح، والذبح بآلة حادة من حديد بقطع الحلقوم والمريء لإعطاء فرصة للدم كي ينساب خارجًا، وبذلك نحصل على طعام صحي وطاهر.

لم يعجب ويليام بحديثها، فعلق بامتعاض وعصبية:

- ما هذه السخافة؟!

وثار بشدة ضاربًا كفه على طاولة الطعام:

- إذا كنت تريدين البقاء هنا، عليك أن تأكلي ما نأكله نحن، مسلمة متخلفة!

حاول مايكل تهدئته:

- ويل، اهدأ، أرجوك، اليهود أيضًا لا يأكلون إلا بطريقة معينه، دعها تأكل ما تشاء، لكل منا معتقداته الخاصة وعلينا احترامها، إذا كانت تريد أن تأكل سلطة فقط فلتأكل منها، السلطة مفيدة أيضًا، أنا سآكل سلطة فقط! لن آكل الدجاج اليوم!!

 ثم مد يده اليمنى إلى الملعقة، وأمسك صحن السلطة باليد اليسرى، ثم بدأ يسكب بعض من الخضراوات لنفسه، وقف ويليام ساخطًا واتجه إلى الخارج، فقالت ماغي بنبرة خافتة:

- سأذهب لأتحدث إليه.

استعدت ماغي للوقوف فأمرها مايكل بالجلوس، قالت مبررة:

- لكنه لم يأكل شيئًا!

- دعيه وشأنه، فهو ليس بطفل سيأكل لاحقًا.

وقفت دانة مستأذنة لتغادر إلى غرفتها، فاستوقفها مايكل قائلاً بنبرة لطيفة:

- لكنك لم تأكلي شيئًا!

  التفت الجميع إليه مستغربين من تصرفه، فويليام لم يأكل شيئًا أيضًا، أكمل حديثه مبررًا:

- أعتقد أنك لم تأكلي منذ فترة طويلة.

أجابته بصوت خافت:

- شكرا، لا أشعر بالجوع!

ثم انسحبت بهدوء، وظل مايكل يتمعن النظر إليها بابتسامة صغيرة، التفتت سارة إلى جايسون وأبلغته بأن الطعام بدأ ينفذ وأن هذه آخر دجاجة متوفرة، فلن يتمكنوا من أكل اللحوم، كما أن الغاز يكاد ينتهي، فأجابها جايسون أن السوق المركزي الذي ذهبوا إليه اليوم شبه خالي، اقترح مايكل:

- سنذهب غدًا للبحث عن الغاز وعن سوق آخر.

- لكن، أين سنبحث؟ قد لا نجد شيئًا قريبًا من هنا.

أجابه كيفين:

- حينها سنضطر للخروج من هنا للبحث عن مأوى آخر.

 

  وصلت دانة إلى غرفتها وأغلقت باب الغرفة ولم تسمع المزيد من نقاشاتهم حول البقاء على قيد الحياة، فقد كان عقلها منشغلاً بشيء آخر، ابتعدت عن التواصل مع الله سبحانه واللجوء إليه بالصلاة منذ بداية هذه الظروف وبعد أن ضاعت حقيبتها منها، لم تكن تعرف موقع القبلة لتصلي صلواتها الخمس، ولم تجد بوصلة بديلة لتحديد ذلك، كانت تشعر بالضيق والخوف وعدم الراحة النفسية، والخزي أمام الله سبحانه وتعالى، فالصلاة هي اتصال روحي بين العبد وربه، والقلب بدون الله يشعر بفراغ كبير، فالصلاة تفرغ القلب لله عز وجل وراحة للنفس، ورغم إنها ليست فتاة محجبة إلا إنها لم تفوت أي فرض، ولم ترتدي الثياب القصيرة فوق الركبة أو قميص دون أكمام أمام الرجال.

 

    خرجت دانة من باب المنزل إلى الشرفة الأمامية للمنزل، كانت تبحث عن ماغي التي كانت تجلس بجوار ويليام على كرسي طويل من القش، كانت ماغي تحاول اقناع ويليام بتقبل دانة ومعاملتها باحترام وطيب أكثر، وأن يرضى بالواقع ويبتعد عن مضايقتها وجرح مشاعرها، قالت إنها تبدو فتاة طيبة القلب ولا تضمر الشر لهم، تقدمت دانة منهما أكثر فانتبها لوجودها وحل الصمت، ابتسمت ابتسامة خفيفة وبدأت حديثها إلى ماغي بنبرة هادئة:

- أخبرتني سارة بأنني قد أجد عندك بوصلة، فهل لي بإعارتها لدقائق من فضلك؟!

ابتسمت ماغي قائلة:

- طبعًا، لكن ما حاجتك للبوصلة؟!

سكتت دانة برهة من الزمن، ثم أجابتها بحذر:

- أريد أن أصلي!

تدخل ويليام متسائلاً باستغراب:

- بالبوصلة؟

أجابت دانة بصوت هادئ:

- نعم، لتعيين الاتجاهات الأربعة لاستقبال القبلة، وهي الكعبة الشريفة في مكة المكرمة.

علق ويليام بلا مبالاة:

- فتاة غريبة الأطوار!

فرت كلماتها بنبرة حازمة:

- لست بغريبة الأطوار!

أجابها بنبرة عصبية:

- أولاً لا تأكلين إلا بطريقة معينة، والآن بوصلة لتصلي؟! ما معنى ذلك؟!

قاطعتهما ماغي:

- اهدأ ويل، أرجوك لا داعي لكل ذلك، سأذهب لإحضار البوصلة!

ثم اتجهت نحو باب المنزل، وتوارت عن ناظريهما، أعرض ويليام وجهه عن دانة غير عابئ بوجودها، كانت تحاول أن تبدأ الحديث معه بأدب:

- هل لي بمحادثتك لدقيقة؟

أجابها غير مكترث:

-لا يوجد ما نتكلم به، ليس بيننا أي حديث نتحدث فيه!

- أريد منك الاحترام فقط، فيبدو إننا سنبقى طويلاً في مكان واحد، لا أطلب منك سوى الاحترام.

أجابها بنبرة حادة:

- لا أعرفك حتى أحترمك!

- إذا كنت ترغب برحيلي من هنا، أنا مستعدة للرحيل.

- لا يهمني، افعلي ما تريدين، فأنت لا تهمينني إطلاقًا!

   وقف منتصبًا بطوله السامق، ليبدو لها عرض منكبيه وبروز خفيف لعضلات صدره وذراعيه، ثم أخفض صوته وقرب شفتيه من أذنها هامسًا:

- فقط، ابتعدي عني، ولا تجادلينني أبدًا، وإن مررت نحوك تحاشيني، فأنا لا ارغب بالاحتكاك بك إطلاقًا!

   ثم ابتعد عنها بخطوات بطيئة ودخل المنزل، تسمرت مذهولة لأسلوبه في التعامل معها، فهي لم تضايقه، تحاول أن تتجنب المشاكل لكن أسلوبه في الحديث معها يستفزها، فتضطر أن ترد عليه للدفاع عن نفسها، لكن كما يبدو لها أن ذلك لن يفدها بشيء، لذا قررت ألا تهتم وتجنبه قدر المستطاع فهي لا تريد التورط بالمشاكل هنا بسببه.

 

    حل الليل بظلامه الحالك ليطفئ نور الشمس، وتعالت أصوات ضجيج تلك الكائنات فارتجفت دانة خوفًا، تكورت على نفسها فوق سريرها، ألصقت ساقيها بصدرها ودست وجهها بين ركبتيها، ثم بدأت بالنحيب بصوت خافت، شعرت بوجود شخص في الغرفة، فالتفتت نحو الباب مفزوعة، وقفت سارة وبجوارها كيفين وكل منهما يحمل مسدسًا صغيرًا بيده.

سألها كيفين بلطف:

- هل أنت بخير يا ابنتي؟

أجابته بعيون دامعة:

- لا، لست بخير!

اقتربت سارة منها، وجلست بجوارها قائلة:

- لا تقلقي ستكونين بخير هنا، صحيح أن أصواتهم تبدو قريبة لكنهم لا يستطيعون الدخول إلى هنا، فالأسوار تمنعهم من ذلك.

- إنني لا أفكر إلا بعائلتي، لا أعرف شيئًا عنهم، لا أستطيع الاطمئنان.

ربتت سارة على كتفها قائلة:

- سيكونون بخير بالتأكيد، قد يكونون في مكان آمن مثلما نحن في هذا المكان.

ابتسم كيفين بلطف:

- لا تقلقي يا ابنتي، ونامي بسلام!

   لكن هل تستطيع أن تنام بسلام في هذه الظروف بعيدًا عن عائلتها، أين ستجد الاطمئنان والراحة وهي هنا وحيدة بين هؤلاء الغرباء؟ كانت تتقلب في سريرها تحاول أن تغلق عينيها لعلها تنعم بالراحة، استيقظت بعد عدة ساعات بصعوبة مثقلة بالهموم والآلام، حاولت النهوض والخروج من الغرفة، وصلت إلى السلم وخطوت إليه بتمهل، شعرت بالتعب والدوار فقبضت على الدرابزين وتمسكت به جيدًا، لكن سرعان ما سقطت من على السلم.