الأحد، 11 يونيو 2023

القسم الثاني: الفصل الثالث

    فتح خوسيه عينيه فزعًا من صوت ارتطام على أرضية الغرفة، أدار رأسه نحو الصوت، كانت دانة مغشية على الأرض، أسرع إليها وصاح طالبًا للنجدة ثم حاول إيقاظها دون جدوى،  اقترب ساراس وزوجته من السلم، ووقعت أعينهما على دانة فهبطا بسرعة، طلب ساراس من ماغي كأسًا من الماء، بينما دخل جايسون المنزل وخلفه مايكل وويليام، هرع مايكل إليها متسائلاً باهتمام:

- ماذا حدث؟

بينما ابتعد ويليام متجهًا إلى باب القبو دون أن يلتفت إلى دانة أو يكترث بما حدث لها، أجاب:

- لا أعرف، استيقظت من النوم ووجدتها مغشية على الأرض.

قال ساراس:

- أعتقد إنها أغمي عليها من التعب فهي لم تأكل شيئًا بالأمس.

    حملها مايكل بين ذراعيه متمهلاً ثم أنزلها على الأريكة، وساعده جايسون برفع ساقيها إلى الأعلى ووضع بعض الوسادات تحت قدميها، فحص ساراس وضع التنفس والنبض، وناولته ماغي كأس الماء فاستلمه مايكل منها على عجل، سكب قطرات قليلة من الماء على يديه ثم مسح وجهها برفق، طلب ساراس كولونيا لإفاقتها أو أي عطر متوفر، فأسرع خوسيه وبحث في حقيبتي عن عطر فوجد عطرًا صغير الحجم، أعطاه لساراس فأخذ مايكل العطر من ساراس ورش القليل منه على يده، ثم قرب يده من أنفها فاستفاقت دانة بعد فترة، وبدا عليها الخوف وهي تتطلع بهم مستغربة من تواجد الجميع حولها، سألتها ماغي:

- هل أنت بخير؟

- ماذا حدث؟!

أجابها خوسيه:

- أغمي عليك، لقد وقعت من على السلم.

وسألها ساراس:

- هل تعانين من مرض معين؟

- لا!

سأل جايسون ساراس:

- هل أغمي عليها بسبب التعب والإرهاق؟

- نعم، أعتقد ذلك، التعب وقلة الأكل، فهي لم تأكل شيئًا بالأمس!

    قدم مايكل كأس الماء لدانة، حاولت أن تمسكه فارتجفت يدها، ساعدها على شرب الماء، ارتشفت الماء بكمية قليلة، ثم شكرته وشكرت الجميع على اهتمامهم بها، ابتسمت ماغي:

- استلقي سأبحث لك عن شيء تأكلينه.

 وغادر الجميع المكان بعد اطمئنانهم عليها، توجه خوسيه إلى حديقة المنزل أستنشق الهواء، فتح علبة بيرة وارتشف القليل منها، لكنه توقف للحظات يحدق بالعلبة قبل أن يقذفها بقوة على عمود الشرفة، أطلق تنهيدة يأس محدقًا بالسماء، توالت صرخاته بينما كان يركل ذلك العمود:

- لا، لا، لا!

 

     خرج من المنزل وأفكاره تتقاذف في عقله، جلس تحت إحدى الأشجار، ثم أخرج سيجارة وعود ثقاب من جيبه، وضع السيجارة في فمه وأشعلها، رفع بصره محدقًا إلى الأفق البعيد، وقعت عيناه على تلك الأجساد المتحركة ببطء شديد، كانت أعينهم ساهمة، اقتربت منه أكثر، تعثرت أمام عينيه، تزحف ببطء نحوه، أخرج سكينه اليدوي، وغرزه بين عيني ذلك الجسد، اقترب آخر منه فدفعه عنه ليقع فوق صاحبه، وغرز السكين على رأسه، حدق خوسيه بالجسدين فلاحت صورة أخواه المتحولان أمام عينيه، سالت دمعته على خده، فلا رغبة  له بتذكر الماضي الآن، عليه أن يرمي الماضي خلفه ومضي بحياته الجديدة، يجب أن يتأقلم مع هذا العالم الجديد، يجب أن يكافح للبقاء على قيد الحياة ولا يستسلم أبدًا.  

 

    

  بعد أن غادر الجميع المكان بعد اطمئنانهم على دانة، بقي مايكل متربعًا فوق الأرض مقابلاً للأريكة، بدأ حديثه باهتمام واضح:

- قلت لك بالأمس أكملي طعامك، تحتاجين للغذاء للبقاء على قيد الحياة.

تقدمت ماغي بوعاء مملوء بالخضراوات المعلبة، وناولتها الوعاء قائلة بابتسامة لا تفارق شفتيها:

- إنها لا تحتوي إلا على خضراوات ومناسبة للنباتيين، كليها كلها.

  ابتسمت دانة لها ممتنة، غادرت ماغي المكان، حدقت بالوعاء دون حركة، سألها مايكل:

- ماذا بك؟ لماذا لا تأكلين؟

- لا شيء، إنني أفكر بعائلتي فقط، أنا قلقة عليهم.

نهض مايكل ثم جلس بجوارها، وقال بلطف:

- لا تقلقي، سيكونون بخير، والآن كلي طعامك كله، فلن أبرح من مكاني إلا عند انتهاء الوعاء بالكامل.

  ابتسمت دانة، نظر مايكل إليها، تأملها وهي تتناول طعامها بهدوء، وبدأ بالتعرف عليها أكثر، فسألها عن عمرها وأجابته دانة فابتسم قائلاً:

- لا يبدو عليك ذلك، تبدين أصغر من عمرك.

  ابتسمت بخجل، ثم أكمل أسئلته الشخصية، ليسألها السؤال الذي ظل متربعًا في عقله منذ رؤيتها بالأمس:

- هل أنت مرتبطة؟ ألديك أطفال؟

 التفت إليه باستغراب وأجبته باقتضاب:

- لا!

  وحدقت به أكثر فلاحظت وجود بعض التجعيدات حول عينيه الزرقاوين وفمه وجبهته وبعض الشعيرات البيضاء التي تحاول الاختباء بين شعره البني الفاتح وشاربه ولحيته الخفيفة في ذقنه، فراودها الفضول لمعرفة تفاصيل حياته، وسألته مبتسمة بلباقة:

- وأنت؟!

أجابها ضاحكًا، وهو يكاد أن يخفي سعادته، لكنه فشل في ذلك:

- إنني كبير في السن، بإمكانك أن تخاطبيني بأبي إن أردت ذلك!

ابتسمت دانة، فأكمل حديثه:

- عمري 51 سنة، لم أتزوج ولم أرتبط ارتباطًا جديًا بأية امرأة بعد!

تطلعت إليه باستغراب متسائلة عن السبب، فأجابها بارتياح:

- أخشى الارتباط بأية امرأة ضعيفة، لذلك لم أفكر بالارتباط جديًا.

- ليست كل النساء ضعيفات!

- أعرف ذلك، لكن ...

صمت لوهلة ثم أكمل حديثه مسترجعًا ذكرياته بألم:

- كانت والدتي امرأة ضعيفة، يبرحها والدي ضربًا ويهينها أمام أعيننا، كنا صغارًا عندما هربت والدتي منه وتركته، ثم ارتبطت بوالد ماغي، تركتُ المنزل حينها، كنت في السابعة عشر من عمري، وكنتُ نادرًا ما أزورها، كرهت ضعفها لدرجة إنني لم أكن أرغب أبدًا برؤيتها، ثم التحقت بالجيش، عندما توفت لم أكن متواجدًا لجنازتها ولم أرها قبل وفاتها لظروف العمل.

كادت الدموع أن تتساقط من عينيه، فمسحها بإبهامه، اعتذرت دانة له:

- آسفة جدًا، لم أقصد أن...

قاطعها مبتسمًا ليخفي ألمه:

- لا بأس، أنت فتاة طيبة، ولا تبدين ضعيفة.

- لست بقوية!

- بلى، أعرف ذلك من النظر في عينيك، فأنت من النوع الذي يخفي قوته بداخله، أنت صبورة وقوية، إن لم تكوني قوية لتمكن الوباء منك منذ انتشاره، بقاءك على قيد الحياة حتى هذه اللحظة دليل على قوتك.

ابتسمت دانة ابتسامة أظهرت أسنانها البيضاء المتراصة كحبات اللؤلؤ، فقال مبتسمًا رافعًا حاجبيه بإعجاب:

- وابتسامتك جميلة أيضًا!

    أخفضت رأسها بخجل، ثم وقفت مستأذنة لأذهب إلى غرفتها، لكنه استوقفها متسائلاً باهتمام:

- هل أنت بخير؟ أتستطيعين المشي؟

   أومأت رأسها بإيجاب ثم اتجهت نحو السلم، راقبها مايكل إلى أن وصل إلى غرفتها، فابتسم مطمئنًا، رأف مايكل بحالها، وقرر مساندتها فهي وحيدة في هذا البلد، تحتاج إلى الحماية والمساعدة لحين رحيلها من هنا إلى وطنها بسلام وأمان.