الاثنين، 6 سبتمبر 2021

القسم الاول: الفصل الثاني

   في نهار اليوم الأول من شهر يناير بعد أن سهروا محتفلين بليلة رأس السنة، استيقظ جايسون على صوت رنين الهاتف، رفع السماعة ليسمع صوت زوج والدته على الطرف الآخر يخبره بإصابة والدته بالمرض ولم تنجو منه، وقف مشدوهًا فقد أصيب بصدمة ولم يستوعب الخبر، وقعت سماعة الهاتف من يده، وحدق بالأرض دون أن ينطق بحرف، التفتت زوجته سارة نحوه متسائلة بقلق:
- ما الخبر؟
  ظل صامتًا ولم يجبها، ثم تسللت دمعة من عينيه، التفت إليها، وبصوت مضطرب نعى والدته التي لم تنجو من المرض، خرج من غرفة نومه متجهًا إلى غرفة المعيشة، كان والده مشدوهًا بشاشة التلفاز، تردد قبل أن يخبره بما حدث لوالدته، لكنه في النهاية استجمع قواه وأعلن عن إصابتها بمرض خطير لا نجاة منه، عم الحزن بينهم وصمتوا طويلاً دون إبداء أية كلمة، أعلن مذيع الأخبار عن انتشار المرض في كافة أنحاء العالم، وعلى المواطنين التوجه إلى أقرب ملجأ والاختباء فيه، وأن الإذاعات المحلية ستعلن عن أماكن الملاجئ.
قال والده:
- سمعتم ما قاله، دعونا نرحل من هنا.
تساءلت ساره:
- إلى أين سنرحل؟
أجابها جايسون:
- لا أعلم، سنذهب إلى أقرب ملجأ
اقتربت ابنته الصغيرة إيميلي من سارة، فضمتها إلى صدرها الحنون، قالت سارة لابنتها تطمئنها:
- لا تخافي، سنكون بخير.
   وهموا بالرحيل، حزموا أمتعتهم ثم ركبوا السيارة متجهين إلى أقرب ملجأ، كان الناس يهرعون هربًا من المكان، وبعضهم قد تحول إلى وحوش لا إنسانية، أشيعت الفوضى بين الناس، بعض السيارات تتصادم ببعضها من سرعتها، وبعضها تتوقف ويهرب أصحابها منها خوفًا من تلك الكائنات، ارتمت إيميلي بين أحضان والدتها خوفًا، ارتعبت سارة حينما شعرت بارتفاع درجة حرارة ايميلي، وضعت يدها على جبهة الطفلة فأحست بسخونتها، خافت سارة من إصابة ابنتها بالمرض، فطلبت من زوجها التوجه فورًا إلى أقرب مستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة ومعرفة سبب ارتفاع درجة حرارة ابنتهما.
 
   وصلوا إلى المستشفى كانت الفوضى تعم المكان، الناس يصرخون ويهرولون هربًا، ترجل جايسون من السيارة وصادف طبيب ذو أصل هندي أسمر البشرة قد خرج لتوه من المستشفى، كان يتحدث عبر الهاتف:
- لا تقلقي يا عزيزتي، سآتي فورًا، إلى اللقاء.
  توسل إليه:
- أرجوك أيمكنك أن تفحص ابنتي، حرارتها مرتفعة جدًا.
   لكن الطبيب رفض متحججًا بالمستشفى الذي أصبح الآن خارج السيطرة، المرض منتشر داخل المستشفى ولا يستطيع العودة إليه، لكن بعد إلحاح جايسون الشديد وتوسلاته، سأله الطبيب:
- هل تم عضها؟
- لا
- إذًا رافقني!
     توجه الطبيب إلى أقرب سيارة إسعاف، جمع الأدوية اللازمة لخفض الحرارة ومقياس الحرارة في حقيبة بيضاء اللون صغيرة الحجم وجدها في السيارة، ثم التفت نحوه وسأله عن ابنته، توجها نحو السيارة ليفحصها الطبيب بمقياس الحرارة، أعطاها دواء مخفض للحمى، ثم طمأننا بأنها بخير ولا شيء يقلق، وبعد أن انتهى من معاينته لها طلب منهم توصيله إلى منزله فمن الصعب إيجاد سيارة أجرة في هذا الوقت الراهن، لكن لخوف جايسون وقلقه اعتذر منه، لا يملكون الوقت الكافي فيجب أن يجدوا ملجأ قبل أن تزيد الكارثة أكثر.
قال الطبيب:
- لقد أسديت لكم خدمة، ألا أستحق منكم أن توصلونني، المنزل قريب من هنا؟!
  لكنه لم يجد أية إجابة، فأردف قائلاً:
- لدي كمادات باردة لخفض درجة الحرارة في المنزل، سأعطيها لكم، ستخفض من درجة حرارة الطفلة بسرعة.
    سكت برهة من الزمن، رفع جايسون بصره إلى سارة التي توسلت إليه بتوصيل الطبيب، فهي قلقة جدًا من ارتفاع درجة حرارة إيميلي، فوافق على مضض، كان المنزل قريبًا من المستشفى فوصلوا سريعًا، ترجل جايسون والطبيب وسارة واميلي المريضة من السيارة، فتح الطبيب باب المنزل، كانت زوجته الأمريكية بانتظاره، عانقته وهي تقول:
- ساراس، هل أنت بخير؟
- نعم، أنا بخير يا ماغي لا تقلقي، احضري الكمادات الباردة للحمى، الفتاة مريضة.
    ابتسمت ماغي مرحبة بهم، وتوجهوا إلى غرفة المعيشة بينما ذهبت زوجة ساراس لإحضار كمادات خفض الحرارة للطفلة، جلس رجل يبدو أنه في بداية الخمسين من عمره على كرسي خشبي وبيده كوبًا من القهوة الأمريكية، قام من مكانه عندما لاحظ دخول الضيوف، صافح جايسون معرفًا بنفسه مايكل جونز، شقيق ماغي زوجة الطبيب ساراس، التفت جايسون نحو النافذة ليجد رجل في منتصف الأربعين من عمره كانت عيناه محدقة بصورة صغيرة بين يديه التفت فورًا عندما سمع وقع أقدام تدخل المنزل، كلاهما مظهرهما يوحي باهتمامهما للياقتهما البدنية والصحية أيضًا، تفاجأ جايسون عندما وقع بصره عليه، توسعت ابتسامته لصديقه ويليام أثناء المرحلة الجامعية، كانا في نفس التخصص، وسكنا في نفس السكن الجامعي بل في نفس الغرفة أيضًا، عانقا بعضهما.
التفت جايسون إلى زوجته ليعرفهما ببعض:
- هذه زوجتي سارة، وابنتي إيميلي، وهذا صديقي أيام المرحلة الجامعية ويليام جونز، وأنت هل تزوجت؟
ظهر الحزن في عيني ويليام:
- كان لي صديقة وولد، وقد توفوا منذ سنوات.
- أنا آسف!
   قاطعهما مايكل ليسألهما عن الأخبار في الخارج، وإذا كانوا قد عرفوا أماكن الملاجئ القريبة، فأجابه جايسون بأن الأوضاع غير مستقرة وحتى الآن لم يذهب للبحث عن أي ملجأ، قرروا الخروج جميعًا بسيارتين للبحث عن ملجأ يحتمون فيه، وأن يكونوا معًا في رحلتهم هذه فخرجوا من المنزل.
 
   لاتزال الفوضى مستمرة في الخارج، ساروا بطريقهم نحو المجهول، اصطدموا ببعض الكائنات اللاإنسانية، أسرعوا في قيادة السيارة هربًا، أوقفتنهم امرأة أمريكية من أصل أفريقي سمراء اللون ذات شعر أسود فاحم، وقفت في منتصف الطريق وهي تلوح بيديها، توقفت السيارتان فجأة، ترجل ويليام منها صارخًا:
- ما الذي تفعلينه؟ كدنا نقتلك!
- لا تستطيعون الذهاب للملجأ، الجميع تحول إليهم، لا حياة هناك.
تزل جايسون من سيارته قائلاً:
- كيف عرفت ذلك؟
- كنت هناك وقد رأيتهم يتحولون، لا أنصحكم بالذهاب إلى هناك إلا إذا كنتم ترغبون بالموت، أو مقاتلتهم!
استغرب ويليام:
- مقاتلتهم؟!
- نعم، طلقة بالرأس تقتلهم.
قال جايسون:
- لكننا لا نملك أية أسلحة.
أجابته:
- لدي أسلحة، وأستطيع المساعدة لتأمين مكان آمن لكم
ثم صاحت لتنادي أحدهم:
- خوسيه أحضر الحقيبة.
ظهر شاب ذو أصل أسباني، تقدم منهم حاملاً حقيبة مملوءة بالأسلحة، قالت المرأة:
- أتضمونا معكم؟! نحن اثنان فقط!
التفت جايسون إلى ويليام الذي ابتسم موافقًا، ثم هز جايسون رأسه، مدت الفتاة يدها تصافحنا:
- اسمي جايدا!
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق